نوزاد جعدان
كاتب وشاعر سوري

روابط

الصفحة الرئيسية
ملفي الشخصي
الأرشيف
أقلام أصدقائي الشعراء

الأقسام

الجوائز
خواطر وكلمات
أدب أطفال
أساطير السينما الهندية
أساطير من حول العالم
أولى التجارب الشعرية
سيرتي الذاتية
مقابلات
مقالات
قالوا عن أعماله
قصائد باللغة الإنجليزية
قصائد بخطي
قصائد ترجمتها من الأدب لعالمي
قصائد من الشعر الحر
قصائد موزونة
قصص قصيرة
قصص قصيرة جدا
فيديو

مواقع صديقة

صفحتي في ديوان العرب
صفحتي في دروب
صفحتي في صيّاد الشعر الأمريكي
صفحتي في القصة السورية
صفحتي في أدب فن
صفحتي في حيفا لنا
صفحتي في أبيات
عضويتي في حركة شعراء العالم
صفحتي في مركز النور
صفحتي في ضفاف
صفحتي في دجلتين
صفحتي في صدانا
صفحتي في ألف حرية
صفحتي في القصة العربية
صفحتي في المثقف
صفحتي في بويت فريك الأمريكي
صفحتي في شايري الهندي
سيرة ذاتية في ديوان العرب
دليل سير ذاتية
صفحتي في تلسقيف
صفحتي في عامودا كوم
صفختي في موسوعة الشعر العربي
صفحتي في بيور
ديواني في موسوعة الشعراء العرب
صفحتي في موسوعة ويكبيديا
صفحتي في الفيس بوك

المدينةُ والضباب وبعضُ أسرابِ الذباب

الذباب كثيف والمكان ضيق

المدينة الباردة..

 المدينة الغائمة من بعيد

تسألني لا تتركني أنا الوحيد

والعاشق الصغير بزيه الرث

يبتلع الجثث ويلتهم العظام

ما من دماء على ثوبه المرقّع

السكين يتدحرج على الخاصرة

والبرتقال يتبول خوفاً

لا تسأل الموتى عن رائحة عطرهم

لا تسأل الموتى عن قمصانهم الفخمة

لا تسال الذباب عمَ يفعله؟!..

***

كالبحرِ أقف غريبا استقبل الضيوف رغما عنّي

كناطحة سحابٍ أرنو وحيدا

كالقبر استلقي حزينا اخبئ موتي

كمدينة صامتة لا تتكلم أضواؤها

كعلبة سردين فارغة أحمل زيتي

تتأملني ...

العيون الصامتة

العيون المترقبة

العيون اللامعة

البيوت الموصدة النوافذ والأبواب في الظلام

تقول لي لا تفتح جفن السؤال

حين يشق صدر المدينة ضجيج الضوء

 وبعض شظايا الجسد

***

كثيفُ الألم كالعشب

هادئ الصوت كالبحر

موشكٌ على الغياب كالليل

أتأملُ القارب والمدن البعيدة

البحر والجزر المختبئة

تقلع طائرة الذاكرة

فأقشر برتقال حزني وأتلذذ بطعم الألمِ

***

كالمدينة المبحرة ...

كالمدينة البعيدة أراقب أضواء الرصيف

ومومساً تتكلم في هاتفها لتؤرخ يوميات فخذيها

كحافلة قريتي أحمل أكثر مما أحتمل

كعاصفة تبتلع النسيم ترد ذكراها كلما أمطرتْ قلبي

المدينة تتثاءب في عيني المشرعتين

فاذكر انني ما زلت احتفظ بذكراكِ

يتكسرُ قلبي  فيزداد نضارة قلمي

الشارقة 22-11-2011


18/1/2012 , 03:32 PM قصائد من الشعر الحر
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

اللامنتمي

اللامنتمي

تمر العواصف حبلى بالغبار الكثيف فيتوزع التراب وتضيع الريح دون أن تنتمي إلى مكان، صريرها يجتاح الأفق فتبدو كهمسات لمن يتدفأ قرب الموقد، وكصفعات لمن ينام في الخارج ويئن تحت وطأة أنين الريح، تنبح الكلاب في كانون لعلها ترى البرد عارياً كعادته، تتعرى الأشجار فتغتصبها الريح وحدها شجرة البلوط تبقى محتشمة، البحر لا يهدئ يمد قدميه الطويلتين غيتوجع الصخر وتلبس السماء ثوب البحر ويلبس البحر حجاباً سميكاً تتدفأ الأسماك وتزعق النوارس لتغدو ترنيمة للوجع.

وحده يقف على الشاطئ دون ان يتأثر بالبرد ففي داخله ليل من البرد بعد أن بدأ يرى الرؤى، يحدق في الأمواج العاتية فيرى وجه الأحباب وسفن من غادروا فيتوقف شراع الذاكرة كبيرق أسود، كل اهل البلدة تعرف أنس الشاب الثلاثيني الطويل القامة والنقي الثغر والمسرول الساقين المحطوط المتن ذو الشعر الطويل والذقن الطويلة، والذي اتخذ الليل حبا والقمر معشوقة، والصبح بغضاً والشمس عدواً.

يمر أنس كل ليلة على الشاطئ محدقا في ما حوله وفي سقط متاع الأسرار هذا العباب الهائج،  ثم يتوقف عند صيّاد السمك إياد والذي يرمي صتارة سمكه في البحر الصائم فلا أسماك تخرج في كانون، وإياد رمز  أخر من رموز البلدة يغتي للبحر والبحر لا يغدق عليه، ينتظر كل يوم ويرجع خاوي الوفاض بسلته الكبيرة التي تعتليها كوشة كبيرة.

هطل الثلج في ذلك اليوم بغزارة، وسُغدت الاشجار بقبعتها البيضاء وانتشت السماء حين اشترتْ ثوبها الأبيض كأن العيد آت ، أما انس تسكع في تلك الليلة في ارجاء البلدة البيضاء قرب الشاطئ محدقاً في البحر وضوء خافت على ظهر سفينة يرنو كمقبرة جماعية للآمال.

مرت نسمة ريح عاتية،  واستوقف نظر انس فتاة تلبس ثوب الزفاف الابيض خالها قطغة ثلج أو رجل ثلج ولكن ميّزها من شعرها الأسود الطويل الذي يتدلى ليصل إلى عجزها.

فرك عينيه وتساءل من هذه المجنونة التي تتجرأ أن تخرج من منزلها في هذا المساء المثلج، اقترب منها والموج يصفع الصخر فيئن الصخر مصدرا الإنكسارات.

-مساء الخير!

التفتتْ الفتاة نحو أنس، كانت غاية في الجمال بشعرها الطويل الأسود وعينيها النجلاوين وبياض بشرتها الثلجية بيد أن  وجهها شاحب وفي يدها زهرة خزامى ذابلة.

قالت بنبرة هادئة: مساء النور.

-اعتذر إن تطفلت عليك أو قطعت خلوتك ولكن الجو بارد والثلج يغطي المكان ستمرضين.

-وأنت الا تبرد؟!..

-أنا تعودت على الأمر وهذه طقوسي اليومية.

-وأنا تعودت الإنتظار والبرد.

-تنتظرين من؟!..

-حبيبي.

-آمل ألا يطول انتظارك، ما اسمك؟..

-آية، وأنت؟!..

-أنس .

- ما الذي يدفع بك كل يوم إلى التسكع ليلاً.

-مللتُ الحياة والبشر وربما لأني كشفت سر الحياة وانتهت اللعبة.

-وأي سر هذا؟!..

-هي أسرار كثيرة ألا ترين تفاهة الدنيا، لا عدالة ترسو الفروقات الطبقية تقتلنا، الفقير والغني الأسود والأبيض الليل والنهار، الثروة التي لا تورع بالتساوي، البعض يعمل الليل والنهار ولا يجني سوى طعام بطنه والآخرون لا يعملون تزداد ثروتهم  كل ثانية ، لمَ لا نحيا سوية كلنا في قسط واحد، لمَ يُشترى الإنسان ويباع بالنقود التي أمست غاية وليست وسبلة ، أصبحت المبادئ تتناهى في غاية المال، لم أتأقلم مع المجتمع ، أحببت الصمت والتأمل وتعجبت لتفاهة الناس وسخف أحاديثهم وألاعيبهم السخيفة وفراغهم الممل، أردت ان يكون اصدقائي مثلي ولما أستطع فآثرت الصمت والبقاء وحيدا.

-ما الذي تبتغيه من الحياة؟!..

حكّ أنس مؤخرة  رأسه وفكر ثم تلعثم قليلا وأجاب:

-الحياة قصيرة وعلينا أن نقدم شسئا لها ونسعى ما دام الزمان يمضي، قدمت بعض المخطوطات التي كتبتعا أردت أن أكتب بالبياض كل ما يعتلي ظلام نفسي، -هل تعلمين أن أسرار الحياة تؤرقني حدا وأحب التنقيب عن أسرارها التي تجعلني أشك في كل حقيقة على أنها وهم.

-ستؤلم نفسك وحين تصل إلى الحقيقة تكون النهاية حانت.

سطع القمر في تلك الليلة فيدا قاربا مبحرا وسفينة الشعراء .

 -ماذا تعمل يا أنس ؟..

-عندما يتكاسل الجسد نعمل الروح، بقيت بين سراديب الكتب .

-إذاً هذي أسباب بعدك وزهدك؟

- بعضها ولكن منذ أن بدأت أرى الرؤى، حدث ذلك قبل عامين حين زرت قلعة قديمة أنا وصديقي ، وقفت أتأملها فتكلمت مع السلاطين والخدم ورقصت مع الجاريات، رأيت تاريخ تلك القلعة ونشأتها حسبني صديقي إني اكلم نفسي، هو لم يرَ غير الحجارة.

- ربما كنت تحلم.

-الحلم حقيقة أو وهم أخر أو تاريخ نهرب منه، هي الضفة الأخرى من الحياة، بالمناسبة ما سر بدلة العرس هذه؟!.

- هربت في ليلة عرسي وانتظر حبيبي.

- وأنا انتظرت حبيبتي فتزوجت غيري، هل اليوم كان عرسك؟!.

-  منذ زمن طويل،  لم اعد اذكر.

خيّم صمت رهيب على المكان فض هدوءه حفيف أشجار البلوط. كأنها تفتح فأل المستقبل.

-ألم تشعري بالبرد؟!..

-لا انا بخير لن أموت من البرد.

-  أصبحنا اثنين لا يخشيان الموت، ممَ أخشى مادام النوم موت في تسمية مختلفة، الموت نوم طويل، تعبنا وشقينا  في الحياة كثيرا ونهاية كل تعب راحة والراحة تعيد الطاقة لذا سنحيا ونموت كثيرا، "يصمت قليلا ثم يستطرد" أستأذنك الآن بالرحيل تباشير الصباح أينعت ولا أريد رؤية المدينة عارية على حقيقتها في ضوء النهار، هل لنا أن نلتقي ثانية؟!.

-سألقاك عندما أبتغي.

-ألن تغادري ؟!.

-لا سأنتظر.

غادر أنس إلى المنزل وصورة آية تسكن مخيلته، تبدأ غامضة الملامح ثم تتوضح كالثلج حين ينتحر على الأرض، وصل غرفته تقلب كثيرا وصابه ارق حاد فغاب الرقاد، بزغت الشمس ولم يتضايق أنس من أشعتها، رسم وجه آية على الجدار ولوّنها بلون الخزامى ثم مضى إلى الشاطئ والبحر يشد حباله، والغيم معلق كثوب على حبل غسيل الجبل أتراه ينتحر!، بحث عنها لم يجدها، انتظرها طويلا حتى غفا قلبلا، تلوّنت لوحة السماء باللون القائم ففتح انس عينيه وجدها جاثية قربه.

باغتته بنبرة هادئة:

-يبدو انك لم تنم؟!.

-تغير أخافه واستغرب منه.

-لمَ الخوف؟!.

-لا أعلم وجهك لم يغادر مرآة عيني البارحة.

-أنت لا تغرفني ولا تعرف شيئا عني.

-أحيانا نهوى أخدهم من صورته.

-لستُ فتاة تُهوى، ثم انا انتظر حبيبي.

- دعيني أشعر بقلبي يكفيني هذا لأنك نقلبين بقعتي الصغيرة إلى عالم واسع.

تكاثف هطول الثلج، وازداد بياض السماء كأنها حقول قطن، اعتلتْ آية صخرة وقفزت إلى البحر.

صرخ أنس مستنجدا وما من احد حوله، فقفز وراءها حتى كسر هدوء البحر فسخط العباب عليه في ليلة كشف الثلج أوراقه.

كان حفيف أشجار البلوط والزيزفون تلحن ترنيمة غريبة، وزهرة خزامى وحيدة على رمال الشاطئ أنهكها الماء المالح، لبس البحر تاج الشمس وذابت كل حقيقة ووهم، وانحل الثلج المسافر في ذلك الصباح الراحل، واستيقظت البلدة لتستقبل على شاطئ البحر حثتين إحداها لشاب مازالت محافظة على كل ملامحها والأخرى لفتاة لم يبق من ملامحها شيء سوى فستان العرس فقد أكلت الأسماك جثتها، وقف الصيّاد إياد على الشاطئ ورمى سلة صيده إلى لجة البحر حافظ الأسرار.

اسطنبول 27-7-2011

 


30/12/2011 , 03:29 AM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

أبحثُ عن ليل

في ليلِ ألانيا

نامتِ الأهدابُ الحلوة والضوءُ قتّال

وحدهم يسهرون ولا يموتون

 إلا بعد ركوب البحر

صمت الكون صادر عن صلاة الفضاء

ضاعتِ الأضلاعُ وانتهت الأحلام

إلى ما تختفي؟!

سأرنو بعيدا لتقضي الحواس نحبها

في ألانيا آلتِ الحكاية إلى حين

إلى أن تقولوا ما أمسكتُ به ليس إلا وميض ضوء

2

على شاطئ كليوباترا في رمال المتوسط

يصطاد القراصنةُ رؤياي

هي أسطورة أخرى ليالي ألانيا

يا معبد الروح سئمنا الخطايا

لنجد الحكاية الثانية

ومن اشتقنا لهم في بحر الظلمات

في الظلام يرنو طريقي

أكل هذا النور والدرب يضيع؟!

وميض الروح أوقد الليل

يا ألانيا لم اكن وحدي الظلام

3

يرسم الغيم أرواحنا لا يراها إلا من رأى

يتعرى الموز والبلوط

هل كل عري شهي ؟!

هل كل عري موت؟!..

يا ألانيا لا تتعري أخشى من الروح الظلام

كل ما فينا خيال إلا العظام

ترى كم أسستْ واستخدمتْ

أكان التراب والخيط واحد

وزهرة الخزامى أكانت تكتب الويل تويجاتها

آه ألانيا!

حتى الكلاب لا تنبح عند قدمي اليوم

الصباحُ آتٍ

 ما بالي أضعت الوقت في جمع الحطب

غابتِ النصيحة

ولم تتعلم الأسماك ان الطُعم موت

الريح ترسم ما تشاء

والغيم يلون على هواه

نقترب من الضوء تزداد العتمة

يا ألانيا لم أكن وحدي رياح

في ليل ألانيا

أبحثُ عن ليلٍ يلبسني

ألانيا تركيا 20=6=2011  

 

 

 

 


30/12/2011 , 03:25 AM قصائد من الشعر الحر
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

ثائرٌ في جنوني

المدى أسودٌ في ظلامِ الزقاقِ يضيء

وعينيَّ تتسكعُ عنْ نافذةٍ بضوئِها أضيع

ثائرٌ في جنوني يا صديقي

ما فكرتُ بالبللِ سابقني الغيثُ قبيلَ السحابِ

تقولُ لي وكمْ قلتها: هذا الجنوب

تمرُّ خطاي وترسمُ بوصلتي الرياح

ما شأني أنا

الصخورُ تكسّرتْ من حتِ النهر

ضاعَ الليلُ رثاهُ القمر

ماتَ القمرُ في ضوءِ الشجر

***

أنا المغني المتجول تراني في الليل عاريا

أمرُّ تحتَ النوافذِ شاديا

وإنْ توصّدتِ الأبوابُ في وجهي يسمعني مشرّدٌ حالم

الرياح وزعتني حبة طلع في الصحراء

حضنْتُها كسّرتْ ضلوعي

لستُ ككلبِ الدارِ أميناً على فضائحِ المنزل

وإنْ احتسيتُ نبيذاً من يدِّ العبيدِ أتقيّأ

دعني لليلي ودعِ القمر حبيب السهر

***

أنا صاحبُ الحقيبةِ وأغنيةِ شمسِ كانون

لا أميل لأفلام الحركة

لا تطلب عبورا منّي كالعربة

عينيّ تنتحر فيها الأكاذيب

لا ينفعني السحابُ

قلبي لا أشجار فيه

أغنيتي مقدامةٌ كإقلاع الطائرة تشدّني

عن الأقفاصِ تردّني

إلى النهرِ تجرّني

يا صديقي إنَّ الرياحَ لا تربيها العصي

ولا توقفُها الأشرعة

ستأخذُ القاربَ حيثما تشاء

تقسيم استانبول 4-1-2011

 


30/12/2011 , 03:22 AM قصائد من الشعر الحر
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

الَجرَّةُ العَجيبةُ

مِنْ قصصِ الشعوب قصَّةٌ صينية

صاغها واعدّها إلى العربية :نوزاد جعدان

في قديمِ الزمانِ عاشَ  رجلٌ عجوزٌ  في بلادِ الصينِ في بيتٍ صغيرٍ  قرب النهر ِ، وطوال عمره اقتاتَ من مهنةِ الصّيد، قبيل موتِه تركَ لولديه: "داي" الأكبر و"تام" الأصغر، بعض النقود وشبكة صيدٍ رثة، وبعد رحيلهِ أخذ "داي" النقودَ وتركَ لأخيه الصغير شبكةَ الصيدِ، تحسّنتْ أحوالُ داي بعدَ عملِه في التجارةِ مِن َالنقودِ التي ورثَها عن أبيهِ، أما تام المسكين فعانى من العوز والفقر، فشبكتُهُ القديمةُ تصطادُ سمكاً يكادُ يكفيهِ.

تحسّر "تام" وأصبح الحزن طابعاً على وجههِ، وفي ليلة مقمّرة جلس تام عند ضفة النهر وأخذ يجترُّ أحزانه، قاطع هواجسهُ رجل عجوز ذو لحيةٍ بيضاء وبيده جرّة، كان يرنو من بعيد، دنا العجوز من" تام"  وناوله الجرّةَ ثمَّ قالَ له:خذ هذه الجرّة التي تصنع الملح ستغدق عليك وعلى أهل قريتك بالخير، وعندما تريد أن تصنع الملح منها قل لها" اصنعي ملحاً من فضلكِ" وإن أردتَ إيقافها قلْ لها " شكراً لكِ يكفي".

شكر "تام" العجوز وانصرف إلى القرية، طلب "تام" من الجرة ملحاً  كما أملى العجوز عليهِ، فصنعتِ الجرةُ ملحاً غفيرا ، باع "تام" الملحَ إلى أهل القرية بسعر زهيدٍ فتحسنَتْ أحواله وأحبّه الناس وأمسى شخصاً غنياً.

تسرّب الحسد إلى نفس "داي"، فراقب أخاه وهو يحضر الملحَ خلسةً وسمع ما يمليه "تام" على الجرة فحفظه.

وفي ليلةٍ عمياءَ غابَ عن بساطِ السماءِ قمرٌ، سرق "داي" جرّةَ أخيهِ وقرّر السفر بعيداً كي لا ينكشف أمره، جهز مركباً ليأخذه إلى بلاد بعيدة عبر النهر.

اعتلى الزورق وأخذ معه الجرّة وابتعد عن الشاطئ ، فأمر الجرّة " أيتها الجرة اصنعي ملحاً من فضلك".

وفي الحال غدا الملح يخرج من الجرّةِ دفعاتٍ كبيرة و الغبطة تملأ جنانهُ فهو تارةً يغني وأخرى يرقص، لكنَّ سعادته لم تدمْ فقد امتلأ  متنُ الزورقِ بالملح ولم يستطع إيقاف الجرّة عن العملِ،  فهوى المركبُ وغرق في النهر، و "داي" يصرخ:  "ليتني  ما سرقتُ جرة أخي الصغير" صرخ مراراً وما من سامعٍ ..


30/12/2011 , 03:21 AM أدب أطفال
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

الأميرة الحزينة والفقير

في قديم الزمان، وقرب نهر الفرات، حَكم الملك الحكيم عامر المدينة التي كانت تعيش في هناء واطمئنان، إلى أن أصاب ابنته الوحيدة رقيّة داءٌ محال الدواء، استقطب الحاكم أطباء من كافة أرجاء المعمورة من الصين والهند ومصر وبلاد الشام وما من حل لأزمتها.

في ليلة تدلى القمر في مرآة السماء كالثريا، خطر للمستشار هاجس واتجه إلى الملك مسرعاً.

-السلام عليك يا ملكنا المبجّل.

-وعليك السلام أيها المستشار الحكيم.

-اليوم وأنا أفكر بداء الأميرة رقيّة، قلّبتُ الأفكار في عقلي مراراً، فملّل الأميرة من الحياة وتذمرها من كلّ شيء واختفاء ابتسامتها أمرٌّ يؤرقني، لذا خطر لي هاجس.

- وما هيَ؟!..أسعفني بها.

- سنعلن على العامة " مَنْ يجد حلاً لمرض الأميرة ويخرجها من وضعها المأساوي لسوف يغدو زوجها وصهر الملك، ومن يفشل الموتُ جزاؤه".

-ويحك!..ماذا تقول أيها المستشار!..ربّما نقتل نصف أهل المدينة.

- سيدي العزيز، لن يتجرأ إلا من يملك الجسارة والعقل الحكيم على هذا الفعل الحميد.

- حسناً!..فليعلن المنادي على العامة هذا الأمر الخطير.

دار المنادي بين أرجاء المدينة وهو ينادي:

" أمرَ الحاكم العادل، من يُخرج الأميرة رقيّة من وضعها النائم، سيكون زوجها القائم، ومن يخفق سيغدو رأسه فوق القصر عائم".

بعد انتشار الخبر، بدأ الشباب في المدينة بالتحرك،كل منهم يحلم بالزواج من الأميرة ومصاهرة الملك وبطريقة ليجدوا حلاً لمرضها، وما كان يثبط عزيمتهم خوفهم من الإخفاق.

جهز " محسن" نفسه وحضّر سجادته السحرية التي يجوب بها أرجاء العالم، حملها وتوجه إلى قصر الملك وأمّه تنصحه بعدم الذهاب، لكنّه أبى، وصل إلى القصر والسماء عمياء لا شيء يرنو من بساطها، طلب مقابلة الملك وحضر مجلسه، نبهه الملك في حال فشله سيكون رأسه مقطوعاً، وافق محسن ودنا من الأميرة وعيناها ترسم آثار الألم، أمسك "محسن" بيد الأميرة ووضعها على السجادة السحرية وجاب بها البلدان والقصور، طاف بها المحيطات والخلجان ولمْ يرَ ابتسامتها تزينُ وجهها، فقد زارت الأميرة معظم هذه الأماكن فأمر الحاكم بقطع رأسه، بكت المدينة دماً على شابها القتيل، وطار في تلك الليلة شهابٌ أبيض، في اليوم التالي جهز علاء الدين مصباحه السحري وقرر أن يدخل هذا الامتحان، وصل إلى الأميرة وهو يقول لها:

-  يا سمو الأميرة!..هذا مصباحي السحري لو مسحته بيديك سيظهر لك مارد ضخم ، اطلبي منه ما تشائين سينفذ لكِ ما تبتغين.

احتارت الأميرة ماذا ستطلب من المارد، فارتسم الأسى على وجهها مرّة أخرى، خاف علاء الدين فهو يعرف جزاء الفشل، طلب من المارد أن يحضر للأميرة مغنّياً ذا صوت جميل وفرقة ذا عزف أخّاذ، أنشد المغني وعُزفت الموسيقى والأميرة لم تتحرك قيد أنملةٍ، لم يحرّك فيها شيئاً فترجاها أن تطلب طلباً أخراً من المارد ومن كثر إلحاحه طلبتْ الأميرة من المارد أن يلصق ابتسامة على وجهها، فجلب المارد مهرجين ولم تضحك الأميرة فتلاشى المارد واختبأ في مصباحه ولم يستجب.

بعد فشل علاء الدين أمر الحاكم بقطع رأسه في تلك الليلة العفراء،  وبدأ الرعب يسري في جسد الملك خوفاً من عدم إمكانية الشباب من إخراج الأميرة من حيرتها فأقنعه المستشار بمحاولات أخرى.

جهز" ضحروج" السمين نفسه للذهاب إلى القصر وأمّه تقنعه بعدم الذهاب لكنّه مصمم على الأمر وتوجه الفتى السمين والقصير إلى القصر وهو يقود ستة حمير محملة بأطيب أنواع الزاد، دنا ضحروج من الأميرة وهو يفتح فاهها ويدخل الطعام والأميرة ترمي الطعام، جرّب العسل والفاكهة وأطيب أنواع اللحوم المشوية كي تأكل وتستلذ بالطعام لكنها أبت، ولم تأكل شيئاً، وحين شعر ضحروج بأن أمره بات خطيرا، حاول عنوة إرغامها على الطعام، فأحس به الحرس وقطعوا رأسه ثم علقوه على باب القصر.

تأزّمتْ حالة الأميرة وبدت عصبية المزاج أكثر من السابق، لا تخرج من غرفتها واعتكفت على نفسها.

في تلك الأثناء كان "نسيم" الراعي الوسيم يجلس عند عدوة الوادي يقرأ قصصاً وأشعاراً، فهذا الشاب الوسيم يعاني العوز والفقر لكن فؤاده غني وعقله راجح، زاره أحد الأصدقاء وطرح عليه ما فعله الملك لتشفى ابنته، رفض نسيم في البداية الاقتراح، وعندما غدت النجوم جريئة في سماء القرية والقمر يعزف على الناي والرياح تعزف كريشة على السنابل الخضراء المتدلية فتصدر صريرا عذبا، عقد نسيم العزم على التوجه إلى قصر الأميرة، وصل إلى القصر ورحّب به الملك وحدّق في عينيه قائلاً:

-  أيّها الشاب الوسيم، تعرف جزاء الفشل وإنّي لأنصحك بالعودة.

- مولاي الملك!..حين أضع هدفاً نصب عيني لا أتخلَ عنه مهما كلفني الموضوع.

- حسناً!..أنتَ حرٌّ قد أنذرتك.

-أينَ الأميرة؟..

-نادوا الأميرة.

اقتربت الأميرة من نسيم وهي حزينة الوجه مكفهرة الملامح، أمسك نسيم بيدها بقوة وخاطب الملك:

-  أيها الملك المبجل أتسمح لي أن أرافق الأميرة ثلاث ليالٍ وليراقبنا العسس عن بعد.

-لكَ ذلك.

خرج نسيم برفقة الأميرة من القصر، ومنزل نسيم يبعد مسافة نصف يوم عن القصر، أخذها مشيا على الأقدام والأميرة لا تتعب، تستمتع بنسائم الهواء وبالفضاء الواسع والدرب الطويل، استراحا عند واحة وأخرج نسيم الزاد الذي يحفظه في سلة قصب قديمة ملفوفة بقطعة قماشية، تناولت الأميرة الزيتون وبعض الخضراوات وهي تستلذ بالطعام، أكلت حتى وصلت لحد التخمة، وصارت تحدّق بالمياه الصافية والبط الجميل الذي يزين الواحة فيصنع بياضها مع زرقة السماء لوحة تشكيلية جميلة، تابعا مسيرهما ووصلا إلى كوخ نسيم، أحضر لها لباساً قروياً للأميرة كي تنام فيه وقال لها:

-البسي هذا الفستان فهو يصلح لهذه الطبيعة القاسية.

ارتدت الأميرة الفستان وبدت أجمل مما كانت عليه، فوجهها أشرق وكأنها رأت الشمس، استمتعت الأميرة بغرفة نسيم الوحيدة والصغيرة والمؤلفة من الخشب وسبّاك يقبل القمر في الليل وتتدلى منه الشمس في الصباح، أُعجبت بمكتبته الكبيرة والتي تحمل نفائس الكتب، وقبل خلودها إلى النوم أشعل نسيم ناراً أمام باب الكوخ، وطلب من الأميرة الحضور، وقفا أمام الأوار وجلب نسيم كتاباً وصار يقرأ لها القصص والأميرة كلها أذان مصغية مستمتعة بصوته الدافئ وقصصه المشوقة.

دُقّت الساعة معلنة منتصف الليل، وبدأ النعاس يدق مضجع الأميرة، في السابق كانت معروفة بالأرق وقلة النوم واستيقاظها المتأخر، كانت تتقلب ساعات لتنام واليوم النعاس يقبل جفونها، أمرها نسيم أن تفرش لنفسها سجّادة على الأرض لتنام عليها، فرشت الأميرة وخلدت إلى النوم.

 في الصباح الباكر، وعلى صياح الديك أيقظ نسيم الأميرة وأخبرها بتجهيز نفسها للذهاب إلى رعي قطعان الغنم، توجهوا بأغنامهم على سفح الجبل لتجتر الأعشاب، والأغنام تشكل رتلاً موسيقياً وكلب يمشي أمام القطيع ليحميه من الذئاب وأجراس القطيع تبشر بأمل عائد، بدأ نسيم يعزف على الناي والأميرة تنظر إليه بإعجاب، وتتأمل الأزهار الصفراء والحمراء والأشجار الحسناء المحيا، صارت الأميرة تقطف الورود وتشكل سوارا وطوقاً منها، تلاحق الفراشات وتحتضن صدر الطبيعة والابتسامة لا تفارق وجهها، أما نسيم فهو يعزف على نايه والقطعان ترقص على ألحانه وأسراب الطيور تبدو كقوس كمان وهي تلف الجبال،  علمها نسيم على حلب الأغنام وتعلمتْ على الرغم من خوفها بداية، غدتْ تحلب الأغنام وهي مبتسمة، وعندما اقتربت الشمس على الغياب، رجعا إلى المنزل، ثم حمل كل منهما فأسا وذهبا لقطع الأشجار.

تألمتْ الأميرة من خشونة الفأس على أناملها الناعمة، لكنها بناء على أوامر نسيم صارت تقطع الأخشاب، وعندما لاح وجه الظلام حمل كل منهما حطبه على ظهره وتوجها إلى المنزل.

 صنعت الأميرة من الحليب اللبن الرائب بعد أن علمها نسيم وتناولا طعامها ثم أمسك كل منهما كتاباً وشرعا بالقراءة حتى خلدا للنوم والكتاب على وجهيهما.

استيقظا في الصباح الباكر حينما تطلق الشمس شعاعها الأول دون ظلال، وتحركا في هذا الصباح الجميل إلى النهر ليصطادا السمك، رميا صنارتهما وجلسا ينتظران، اصطاد نسيم سمكاً وفيراً ورجع إلى المنزل أما الأميرة بقيت تنتظر حتى المساء واصطادت سمكة يتيمة وعادت إلى المنزل وجلست تشوي سمكتها على النار، ونسيم يدق على بطنه من الشبع، أما الأميرة فأكلت سمكتها ولم تشبع فقال لها نسيم:

-لا تفكري قطعاً أن أعطيك سمكة من عندي، إن كنت مازلت جائعة سأعلمك على جني الفطر.

أخذها معه إلى الغابة وصار يعلمها جني الفطر، أصبحت الأميرة تجني الفطر بنفسها وأوقدت ناراً وبدأت تأكل ثم عادا إلى المنزل، وفرشا في الخارج سريراً من القشّ والتحفا السماء غطاء، والأميرة تقرأ الكتب بنهم ولا تشبع، فتارة تقرأ وأخرى تحدق في النجوم والقمر، خلدت إلى النوم، وحين يخفي الليل أسراره سمع نسيم صوتاً مرعباً فاستيقظا وإذ حولهما قطيع من الذئاب، نبه نسيم الأميرة بحمل شعلة نار بيدها، اقتربت الذئاب وهجمت على نسيم ونسيم يدافع عن نفسه وعن الأميرة، والذئاب تصدر عواء مرعباً، تعلمت الأميرة منه فبدأت تدافع هي أيضا حتى هربت الذئاب.

بعد فرار القطيع غفوا جراء تعبهما، في صباح يوم جميل يُولد عمل جديد وأمل يرسم ملامحه، علم نسيم الأميرة على الزراعة فلديه قطعة أرض صغيرة وقرر أن يزرع فيها شتل البندورة، جلب الشتل وغرسها والأميرة تساعده في السقاية وهي تبتسم غبطة.

زار الملك ابنته ونسيما خفية دون أن ينتبهوا إليه، فتفاجئ بوجه ابنته تبدل فالشمس لا تفارق وجهها قد أمسى وجهها كزهرة عباد الشمس، وحب الحياة أصبح نشيدها السرمدي.

ترك الملك نسيما وأمر الخدم والجند في القصر بتحضيرات، ودعا كل أفراد المدينة إلى الحضور، وأرسل رسولا إلى نسيم يخبره إن المدة المحددة انتهت فاستعد وأصحب الأميرة معكَ اليوم ليلاً، وصل نسيم إلى بهو القصر وقد جهز نفسه ليومه الأخير، فربما سيقتله الملك الليلة، وهو يفكر في خلده، سمع صوت موسيقى عالية وحفلات رقص وألعاب نارية، قرر الملك تزويج نسيم إلى الأميرة، تفاجئ نسيم أما الأميرة فالضحكة لا تغادر محياها، وقبل ان تتم المراسم صعد نسيم إلى المنصة مخاطباً الملك:

-مولاي الحاكم، إن كنت تأذن لي بالكلام، فلدي كلام لأقوله.

- تفضل بنيّ.

- "عندما فكرت أن ادخل هذه المغامرة الخطيرة، لم أكن أفكر بتاتا بالذهب والثروة، فلا تهمني الثروة ولا العربات ولا القصور أنا هدفي في الحياة حب الحياة ونشر بذور السعادة على وجه الأنام، فأنا ابتسم مهما كنت جريحاً من الداخل، كان هدفي إيقاف سفك الدماء والمجازر التي حصلت ومقتل الأبرياء، ونشل ملاك من أنياب الظلام الدامس إلى براعم النور.

والآن وبعد أن حققتُ مرادي وهدفي، اطلب يد الأميرة فإن وافقت سأصونها طوال عمري وأهديها أزهار قلبي، وإن رفضت سأبقى مفتاح السعادة لها متى نادتني أو احتاجتني في الدرب" ثمّ غنى لها نسيم:

يا بنةَ الملك!

هيّا تعالي إلي

ارض ِ بي

أنا الفقير

 بيدَ أن مهجي مهج أمير

صفق الملك لنسيم ولفصاحة لسانه كما صفق له كل الحاضرين، والمناديل البيضاء تمسح الدموع من العيون، والجميع بانتظار جواب الأميرة، هزّت الأميرة برأسها في إشارة على الموافقة، وأقيم عرس كبير في المدينة وانتشرت بذور السعادة في كل جزء من أرجائها ونمت أشجار السعادة أحقاباً.

 

 

أبو ظبي 22 آب 2010

 

 

 

 


30/12/2011 , 03:18 AM أدب أطفال
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

حديقةٌ تتنفسُ عطراً

 

الحديقة تتنفسُ عطراً، والرئة تنداحُ ثقافةً، الطيورُ الزائرة شكلت رتلاً موسيقيا في غناءٍ عذبٍ يمثلُ سيمفونية لحضارة وتاريخٍ طويل ومسيرة نورٍ..

كل شيءٍ يبدو مختلفاً إيذانا بالعرس الثقافي، الشوارعُ مبتهجة لبستْ حلتها وتبرّجتْ بزينتها، والـأشجار انتشتْ بنسيم الضيف القادم ، صالةُ الفرح في إكسبو وسط مدينة الثقافة انتظرت بفارغ الصبر العرس الثقافي، فالكتب موزعة في كل مكان كأنها شعاع الشمس الأول دون ظلال، والحديقة مصفوفة بأفانين الزهور فالبستاني الماهر حوّل الحديقة الباسمة إلى حديقة ثقافية، والسُقاة من يرتون من نبع المعرفة والذين اتخذوا شمعة الكتاب وميضاً ينير دربهم.

الضيفُ الحاضر يلبس عباءته الفكرية وتغرد في سمائه سربُ الطيور الزائرة، فذاكرة المكان حاضرة و رائحة الزمان باقية وظلال الحضارات تراها ترتسم في اكثر محطة من محطات الحديقة، فتارة تعتلي ظهر الإبل الأصيل وتسير بين صحارى الجزيرة لتكتشف الأصالة والعراقة ولتخزن كمّا ثقافيا هائلا في سنامِ المعرفة، وأخرى تجدك على ظهر الفيل تتنقل في براري الهند وتحت ظلال أشجارها تكتشف النفائس وتروي القصص كما ترويها فلسفات نهر الغانج، وتارة ستجدُك بين جبال الألب وبين شلالات نياجارا تتكسر صخور الجهل وتستقي من ماء المعرفة.

ترتسم على الطريق وجوه ألقت ظلالها في ميادين العلم، فلا تشغل بالك إن صدفتَ في الطريق نيتشه بوجهه العابس ونظرته الحزينة يقف على قارعة الطريق متأملا، أو ابتسامة نزار قباني  وهو جالس على كرسي الحديقة يتطلع إلى الجمال ،  وربما ستصدف محمود درويش وهو يتغنى للوطن بوجهه البطولي وعينيه العميقتين، أو أن تجد إدغار آلان بو واقفا على باب الحديقة في الظلام جالسا ينتظر غرابه ليملي عليه حبكة بوليسية.

أهلا بالضيف الحاضر وبالثقافة في عيدها الثلاثين، أهلا بالزهر وشذي العطور، أهلا بمعرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الثلاثين.

     علمٌ ترنّمَ والأفراحُ تشدوها       

       كشاطئٍ لمَّ البحارَ مُزدهرا     

في عطرها هالةُ الذكرى ترى الماضي

     كأنّني بلبلٌ في الغصنِ اِخضرَّ

الشارقة 15-11-2011


23/11/2011 , 02:12 PM خواطر وكلمات
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

أغنية التسكع

 

أغنية التسكع

الموسيقى خافتة الليلة، لمْ تدقّ الساعة الثانية عشر بعد، فاليوم هو عيد رأس السنة وفرحان على معدة خاوية بقدميه النحيلتين يجلس تحت ظل شجرة تقيهِ من رذاذ الوابل، يفكر تارة بماذا أذنب ليحيا كما تحيا الماشية، لا يملك شيئاً ليعيش في سبيله أو غاية ليموت في سبيلها.

في ذروة تفكيره هزّ صوت  انفجار وصراخ وهتاف  مضجع فرحان، فهاهم البشر يحتفلون بميلاد عام جديد ووفاة عام قديم، كم أنتَ سخيف أيها الإنسان!..

ردد في خلده وقام من مكانه ليتسكع كعادته، تقدم وتأمل أشجار الميلاد الجميلة القد ودقّق في الألعاب النارية التي تحمل في ضوئها وهجاًً ووميض حلم، فكر كم يدفع الأغنياء ثمن فرحهم للحظات!..

مرّ من المحلات المغلقة وحوانيت الشرب، وتأمل المطاعم الفارهة والركب والأفخاذ العارية، أفخاذ السيدات وأفخاذ الدجاج فالاثنان لذيذان..

جلس القرفصاء على رصيفٍ يواجه  محلات الأغنياء، فهو يعشق المشي هناك وحدّث نفسه:

آهٍ يا فرحان !..كم تستهويك رائحة عطور النساء وكم تؤرقك!..وكم يحرقك المرور أمام رائحة اللحم اللذيذة دون أن تتذوقها ولكن شمها ممتع أيضاً، فربما تسحبها دخاناً تمطر عليك غداً..

يمضي فرحان والألعاب النارية تفتح نوراً في السماء فلا قمر الليلة، ثم يجلس مرة أخرى متردداً على الرغم من إنه لا يمتلك شيئاً ولكن له قرار التردد،  ركبتاه تؤلمانهِ  فيبني من الرصيف كرسياً ومقعداً ويشرد في النجوم التي لم يعد من المستطاع تمييزها عن الألعاب النارية، تذكّر نجوم قريته كم هي بريئة وشجاعة!..

في شوارع الأغنياء تجد مختلف أنواع المجاملات والسيارات الثمينة والأقنعة التي تلوّن الوجوه وبعض الآمال التي تدخل في الجيب..

يزداد جوع فرحان كلما خطا خطوة، فلا شيء يملكه إلا جهاز راديو صغير يعلقه  على حزامه،  وقد اشتراه منذ زمن ليسمع منه الأغاني، الموتُ أهون له من أن يبيع شيئاً يقويه في المحن، ولكن حتى لو أراد بيعه سيتهمه الحانوتي بالسرقة وسيسجن بعدها ولذاع صيته بالحرامي وبالنسبة  لفرحان لقب المتسكع أشرف من الحرامي..

نال الشرود مرة أخرى من فرحان ولكن ما أيقظه لعبة نارية ضربت رأسه فاحترقت قبعته، شكر ربه لأن رأسه ليس حاسراً، ثمَّ أخرج نصف سيجارة وجدها على طرف الطريق، فبللها بلعابه ونفثها وقبل انتهائه منها غرز فيها إبرة كي لا تحرق شفتيه، والمطر غزير يبلل ثيابه الخارجية أما الداخلية لم تتبلل ففرحان لا يعرف ما معنى ثياب داخلية، أما الوابل فشيء تعلم عليه منذ زمن فالثلج أمه والمطر أبوه والبرد إخوته، وقف أمام مطعم ككلب جائع لم يعره أحد اهتماما، أخفض حاجبيه وابتسم ابتسامة غبية لعله  يشفق أحدهم عليه وما من أحد التفت إليه، العالم كرة مدببة يا فرحان إلى أين تمضي؟!..

تابع مسيره إلى المجهول، رأى دورية شرطة تقتات وتحرس في يوم العيد، عندما لمحها هرب منها لحقّه شرطيان بوزنين ثقيلين، فر فرحان بجسمه النحيل فهو بالفطرة يملك جسماً نحيلاً  لا يحتاج إلى تمارين لياقة كما يفعل الأغنياء، فكيف سيكون جسم من لم يذق طعم اللحم لا في الأفراح ولا في  الأتراح، وصل بفراره إلى حارة الفقراء والفقراء يغدقون  الأموال الكثيرة على طعامهم الشهي وما يهمهم سعادتهم  ولكنهم لا يشعلون النار أبداً.. لا يشعلونها..  

مازال الشرطيان يتتبعانه فقفز فرحان من على سور إحدى البيوت، وتسلل خفية اصطدم بقيثارة ونوط موسيقية وطبلة وأوراق مبعثرة هنا وهناك وصور شعراء وفنانين معلقة على الجدار، والصمت يخيم على المكان فقد توقفت المفرقعات وانتهت مراسم جنازة العام الماضي  فانيٌّ أيُّها الضجيج!.. سرمديٌّ أيها الصمت! .

وصل فرحان إلى المطبخ وشكر ربه ، فتح باب البراد فوجده خاوٍ إلا من بعض الجليد، لعن حظه العاثر لأنه اقتحم بيت شخص أشد عوزاً منه.

التفت وراءه فرأى رغيفاً وحيداً من الخبز يتربع على الطاولة، اقترب ليتناوله فسمع صوت غناء يفتح دروب الأسى:

قدْ كنتِ كلّ آمالي

بدقيقةٍ تلاشتْ ..صارتْ سراباً

بكبسةٍ من خاتم..ٍ أمستْ تراباً

عنجهيٌّ سارقٌ لأحلامي

فأيُّ الرواية  هذه

لصوصٌ أبطالُ القصةْ

فآهٍ يا آلامي ..وآهٍ يا آلامي

وضع فرحان الرغيف جانباً وابتلتْ عيونه بالدموع، ففرحان عاطفي من الدرجة الأولى نشأ على مدح جمال القمر وشكر الشمس على شعاعها الجميل، وقف أمام الغرفة التي بدا منها الصوت، وغدا يبكي كالأرامل في محراب الحزنِ.

اقتحم الغرفة على المغني وهو يصرخ : كفى لقد قتلتني ، سار الرعب في جسد المغني وقام برمي المفنضة على رأس فرحان فأطاحته أرضاً، الدماء تسيل من رأسه،  كم سيتحمل رأسك يا فرحان!..

استغاث فرحان قائلاً :

-لستُ بسارق يا سيدي، أنا هنا لأني أعجبت بصوتك الشجي وآلمني غناؤك فأردت معرفة قصتك..

-كبف تدخلُ بيتي عنوةً؟..إن لم تكن سارقاً فمن أنت؟..

-لستُ سارقاً فالسارق كلمة خطيرة قل عني متسكعاً خانه القدر فصار لصاً، أردتُ رغيفاً من الخبز لأسد جوعي فأنا أتضور منذ يومين، ولم أجد عندك إلا رغيفاً واحداً فتركته جانباً ولم أتناول منه شيئاً، اعذرني سأرحل فوراً..

-توقّف!..سأتصل بالشرطة ..

-خذ يا سيدي ، هذا الراديو كل ما أملك ، وأغلى ما عندي خذه ولكن لا تتصل بالشرطة أتوسل إليكَ..

-حسناً ..اقترب.

دنا فرحان بخوف من المغني ذو المنظر المهيب فهو متوسط طول القامة، له ذقن طويلة ، وشعر كثيف يخترق كتفيه، وممتلئ الجسم، أما فرحان نحيل الجسم تهزه الريح كغصن غض.

-نعم يا سيدي!..

-دعني أضع الدواء على رأسك اجلس.

-لا يا سيدي ، تعودت على الجروح فلم يعد هناك مكان في جسمي ، فبيني وبين الجرح  خبز وملح وصداقة قديمة.

عالج المغني رأس فرحان الدامي، وفرحان يشرد فيه ويفكر بمعدته الخاوي.

-قلْ لي يا سيدي، تبدو شخصاً ذا علمٍ وصوت جميل، وأرى في غرفتك أوراقاً كثيرة، اذكر أن جدي قال لي مرة ، من يقرأ كثيراً إما مجنون أو عبقري، ويبدو من محياك الاثنان، لمَ وضعكَ المادي سيء؟!..فأنا على معدتي الخاوية أشفق عليك!..

-لا تقل عني فقيراً، بل قل : أنا من خانه القدر، أو نجمة  في سماءٍ مُدلّهةٍ بأعمدة الرصيف، أغاني تتحدث عن الفقر والبؤس ولا يعير أحد لها اهتماما، فالجميع يبحث عن أغاني الحب والجنس، في ذاك اليوم توجّهتُ إلى إحدى الفرق الموسيقية لانضم إليها، غنيت لهم عن الفقر فخرّتْ اللجنة ضحكاً، وقالوا : أتريد إبكاء الجماهير، نريد شيئاً مفرفشاً ، خرجت من عندهم وأنا أدقق في اللجنة التي تتألف من رجال عجائز وفتيات حسناوات فعرفتُ أن الفرقة تقبل الفتيات ولا تريد المواهب ولكن الرتب تختلف على حسب حجم الخلفيات، فكل فتاةٍ تستطيع إصدار ألبوم بمقابل ، ويدعمها الجميع وينظمون لها الحفلات ..

أما أنا فقد اتصلتُ من يومين بموظف يدعي صداقتي في نقابة الفنانين،   لا تتجاوز شهادته البكالوريا  عن بعض الألحان التي وضعتها في النقابة، تركني نصف ساعة على الهاتف وأنا من قلبي الطيب انتظرته نصف ساعة،  ومن ثم سمعتُ فتاة على الهاتف تقول لي لقد غادر  الموظف الفلاني النقابة منذ أكثر من ربع ساعة أغلق السماعة، تمنيت ُحينها أن أغني فربما يفهم الجيل القادم حزني، فقد تخرجت من الجامعة  التي كنت أعمل وأدرس في نفس الوقت في حياة بين الجامعة والمعامل والمطاعم ، كم كنت أنام في المحاضرات!، والآن أغني للفقر وما من كفيل ، فتبدلتْ أفكاري وحاولتُ أن أغني عن الحب.

-لمَ غنيتَ أغنية حزينة  جدا، لقد قطعتَ قلبي كما تقطعتْ معدتي من الجوعِ.

أحضر المغني الرغيف من المطبخ وناوله لفرحان، هجم على الرغيف و أناه في ثوانٍ وشرب معها ما يعادل ليترا من الماء ليهضم الطعام بديلا عن المياه الغازية..

-سأجيبك يا صديقي، منذ زمن وأنا أحب رفيقة دربي في العزف والتلحين، كنا نتدرب سوية وكانت تفهم علي قبل أن أنطق بالكلام ، تعلمتْ كل شيء مني  كانت كثيرة السؤال لتستفيد، ثم تركتني.. وكحائط أغلقت مداي في النهاية، في إحدى الأيام قصدنا فرقة موسيقية لننضم إليها وكان قائد الفرقة شخصاً ميسور الحال  قبلها على الفور لجمالها الخلاب ورفضني  لأني قلت لها : لا تقبلي، لكن الأضواء استهوتها فكيف لأنثى أن ترفض الضوء؟!..

تركتني جانباً وابتعدت عني وركضت خلف نرجسيتها والآن ربما سيتزوجها ..

-       تأتيني فكرة يا صديقي، لا تنظر إلى رأسي الصغير فهو منبع الأفكار..

-ما هي يا صديقي الشحاذ؟..

-لا تقل عني شحاذاً قلْ ابن فقر، سأذهب لأسرق بيت قائد الفرقة، وأحضر من بيتهِ شيئاً ثميناً فعندما كنت صغيراً في دار الأيتام تعلمت طرق لصوصية وحين بلوغي المراهقة أعلنت توبتي .

- لا تفعل ذلك، ما الفائدة فقد سلب أغلى ما عندي..

-لا تخف!..ففرحان يحدثك وعندما يقول كلمة فهو بحجمها..

تحت إصرار ه، شرح المغني مكان بيت قائد الفرقة، توجه فرحان إلى مبتغاه والهواء يخرج من أنفه كالتيس الذي علق أمامه   قماش أحمر، فهو غاضب وعاطفي ويكوّر لكمته تجهزاً لمهمته، فالمغني أصبح أعز صديق لديه وقد أعطاه خبزاً ، فمن الذي يعطي خبزاً دون مقابل؟..

وصل  فرحان والحجارة تكسرتْ تحت أقدامه ، فقد امتلأت معدته  ، وقف أمام باب الشقة وبعد محاولات عدة  فتح الباب ووصل إلى بهو الشقة  واستغرب لجمال المنزل وروائح الشواء التي تفوح منه والزينة الجميلة والكراسي الساحرة، وقف أمام المرآة  سرّح شعره قليلاً، مشى على رؤوس أصابعه ثم دخل غرفة لم يجد فيها أحداً، بدأ يفتش عن غرض ثمين ليسرقه ، سمع صوتاً فتوقف " حرامي..حرامي".

سقطتْ الأغراض من يد فرحان وركض مسرعاً لينجو قبل أن يقبضوا عليه، وصل إلى باب الشقة فتحه بعد أن اصطدم بأحدهم وقبل أن يقبض عليه هرب فرحان لكن الراديو الذي يملكه سقط في فناء الشقة ، أما قائد الفرقة فلم يخرج من غرفته حتى فقط كان يصرخ.

تنفس فرحان الصعداء وهو يلهث بحث عن الراديو ولم يجده ، بحث جيدا وما من أثر، فكر لبرهة أن يرجع لقائد الفرقة ويبحث عن الراديو ولكن سيقبضون عليه، فكر أن يذهب  إلى صديقه المغني لكن ماذا سيقول له؟!..وقف في منتصف الشارع ، حاصرته السيارات بضوئها فغنى:                  كل شيء يتهدم.. يفنى الأمل ..و يبقى الألم

                                        فآه  يا آلامي ..وآه يا آلامي ..لصوص أبطال الرواية .

حلب 2009

عن مجلة عود الند العدد65  

 

 


23/11/2011 , 02:06 PM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

خزانةٌ ترابية

 

إنّها تثلجُ الآن في استانبول، كرات الثلج تنبعث من السماء كأنها فقاعات صابونية تنفثها فاه ولد صغير يلهو، يشتد الثلج كلما شعرتْ الأشجار بضعفه، فينزل على رؤوس الأحياء ليبلل شعرهم وعلى السقوف القرميدية لتعتمر المدينة قبعة بيضاء، وعلى رؤوس القبور ليتبلل التراب، لقد توحّل الموت!، الشوارع ما زالت تعج بالمارة فقد اعتادوا على المطر والثلج، البعض يحتفل وآخرون يشحذون والأهم أن الناس في الزقاق الذي أقطنه لا تنام، (تقسيم)1 امرأة عاقر ثملة لا تنام، أما أنا ما زلت أتقلب و أتضرع من النوم الرحمة، فذاك الخوف الذي ولّّده فيني (نزار الصافي) منذ التقاطي له لأخر صورة لا يتركني.

رافدة السقف تقترب من رأسي وذاك المصباح الأصفر المعلق يهتز ليحولني إلى معتوه، ظلال غريبة تتشكل على الحائط و أصوات تصرخ على آذاني قادمة من الغرفة الثانية كأنها إذاعة مشوشة، هل هي محطة الموت؟!..غريب قصة المذياع ينطفئ ويشتغل من تلقاء نفسه، في البهو الفاصل بين الغرفتين هناك ظلال ترنو من تلك المرآة الحمقاء، كم أكره المرايا!..، صمت طويل يعتريني وصوت القطط في الخارج يؤرقني، ومما يزيد الطين بلة صورة الأشباح البيضاء وهي تنزل من السماء كلوحة للموت بدون إمضاء، أمسيتُ شديد القنوط فأدرتُ آلة التسجيل لأسمع أغنية لأحمد كايا2 ، ومن حظي التعس انقطعتِ الكهرباء فجلستُ مع صمتي وظلامي وهواجسي حين قدم نزار لأول مرة إلى مكتبي.

كان  طويل القامة، جسمه متناسق ووجه نحيل لكنه مرتعش وخائف، أجلسته قربي واحتسينا كوبين من الشاي، وجهه أصفر وعيناه رمشاها طويلان، لا أستطيع نسيان تينك العينين، فيها مشاهد عابرة ولقطات لا تصلها أية آلة تصوير من تلك التي أملكها.

قال لي: إني على حافة الجنون، لم أنم منذ ليالٍ طويلة، الأصوات تعبث في دماغي وقلبي يكاد يتوقف عن الوجيب، أؤكد لك إني أحادثهم، في ذلك اليوم في المقابر تحدثت مع جدي وجدتي كانوا في أبهى صورتيهما، ما هذا الكوان3 الذي يحيط بي، كلما أتصوّر قرب قبر  تظهر صورة الضريح ولا أبدو أنا، أرى ظلاماً يسكن في روحنا المظلمة وعقلنا الساكن في عباب السواد، هل أنا موجود يا صديقي؟!..

-طبعاً!..ما هذا الكلام، هدئ من روعك!..في هذه الصورة ستظهر حتماً ، ربما تخطئ في الإضاءة أو زاوية التصوير أو تلبس بذلة داكنة، إنك متعب عليك بالنوم والاسترخاء..

حمّضتُ الفيلم ولم تظهر صورة نزار بل صور للمقابر، سألته: ألم ترَ غير القبور كي تتصور قربها، يا أخي الناس تلتقط صوراً لها في حديقة أو طبيعة أو في قصر، وليس في مكان تفقد الحياة ذاكرتها.

 لكزني على كتفي ونظر إلي برموشه التي لا ترف أبدا، نظرته ثابتة كمسرح لا يعرف الستارة -سيتعبك الجمهور - قائلا:  في المقابر تجد المدينة الفاضلة الحياة فيها حياة، الطبقات تتلاشى والأموات ما أجملهم بهدوئهم  ، وأنت المتطفل عليهم تشاركهم حينما تحلم ويشاركونك حينما تزورهم، أتعلم ربما جدي خرج من قبره الآن وأصبح الآن في الصين وربما أمي في أوربا مَن يدري؟..ربما يخرجون من قبورهم، وهم في مكان بعيد لا تستطيع أن تراهم، لكنهم أحياء ألا تتساءل عن تلك الشخصيات التي تراها عابرة في الشارع أو الحافلة أو القطار ربما خرجوا من قبورهم وهم آباء وأبناء لأشخاص آخرين من بلدان أخرى، هم الأموات الأحياء، إن الحديث عن الموت يلغي الحياة يا صديقي ماذا لو نفينا الموت، لولا النتائج لما فكرنا بالأسباب، أنا أتمنى الموت فقد فشلت في كل شيء، في الحب مغفل فاشل، في الصداقة لم تبقَ لي سوى علبة سجائري صديقة وحيدة  تتركني إن لم أملك المال، في العمل فشلت لأني لم أفكر في الطرق الملتوية، بقيت بمبادئي سحقني القدر آه من روحي بحر فقد أضلاعه، لذا صادقت القبور، أردت التصور فرب كل قبر في العالم، تربطني صداقات حميمة  مع الموتى أتكلم معهم إنهم حولي وأنا حولهم، هم أحياء أعرف إنك عير موقن بذلك، كل قبر يفتح لي أسرار مغلقة، أفكر كيف عاش هذا الشخص ما كانت آماله، كيف كانت حياته، كيف استيقظ من موته، هل كان عاشقاً أم معشوقاً من الجميلات، أفكر في مارلين مونرو الحسناء ماذا حلّ بها كم كانت آمال الرجال معلقة في مصباحها، كانوا يقفون في طابور طويل ليلقوا نظرة عليها، ما هذا السخف الآن أمست تراباً أمعقول !.. تخيّل لو تظهر الآن ستتبول في سروالك، ما لا يفنى يعيش يا صديقي وحين يضيع كل شيء ستجد الروح طريقها حتماً، هل نقبر آمالنا في الحياة ونحيا في المقابر، أهي مسرح هذه الحياة، نتحرك فيه كالدمى والساكنون في الأسفل يشاهدوننا ويسخرون منا، ترى أي الأضرحة مباركة تلك التي تغزوها الأعشاب أم العارية، أتعلم مرة زرت قبرا لفتاة مقتولة بجريمة شرف، وجدت أجمل أنواع الورد على ضريحها، خمّنتُ أن لها قلباً بكل ألوان الزهور، الروح صافية يفسدها العقل البشري، ما ذنبها كي تقتل، هل الخالق قاتلها لا، هل يحيا الموت بالصلاة وتفنى الحياة باليقين؟!..  آه من الإنسان ذلك السر المحفوظ في خزانة ترابية!..

أومأتُ له بابتسامة ملتوية  وشعرت بحديثه ينتقل بين المنطق والجنون، وترعبني جفونه كأنها ملتصقة بعينيه بلاصق من أعلى، شفاهه بالكاد تتحرك والصوت يخرج من لجة الروح، ناولته الصور التي حمضتها ولم يتعجب من عدم ظهوره مبررا لي بتعوده على الأمر فهي ليست المرة الأولى، أمسكتُ آلة التصوير  والتقطتُ له صورة بمحاذاة صورة  لفيرجينا وولف معلقة في فناء المكتب عندي،  وعلى الفور حمضتُ الصورة التي كانت صدمة لي حين بدت فيرجينا وحيدة في الصورة بملامحها الحزينة ووجهها البائس.

بعد زيارته بفترة علمت أنه في مصح عقلي يتعالج وبعد مدة مات بسكتة قلبية، وقد قالتْ لي الممرضة أن نظرته كانت ثابتة بعينين واسعتين تنظران باتجاه النافذة المفتوحة والستائر التي تتراقص عليها الريح، وقد دفنوه قرب قبر أمه و جده في ضاحية المدينة، ترى أين تحوم روحك يا نزار؟!..فكرتُ لماذا لا أذهب و أتصور قرب قبره هل ستظهر صورتي ؟!...

كانت تمطر بغزارة، لبستُ كنزة صوفية سميكة واعتمرت قبعة وانتعلت حذاء طويلا وأخذت مظلتي معي..

كان مطرا مجنوناً ودموع السماء تصدر موسيقى على مظلتي كأنها قرع طبول الموت، لا أعرف لمَ اخترتُ الليل كي أتصور فيه ربما عشقي لهذا الجلباب الأسود والسر الذي يخفيه ليل الدنيا وليل العقل البشري وربما لأنه يذكرني بفتيات حلب بمعطفهم الأسود الطويل..

الليل حالك وأضواء الرصيف تشكل رتلا يتضاءل ليصل لباب المقبرة ، يختتم اللحن هناك، أما باب المقبرة فكان بوابة قديمة حديدية تعزف صريراً مزعجاً، الأشجار تتمايل وتعزف الرياح عليها زفيفاً هادئا، كأنها تنقل الرسائل بهمس خفيف لسر يباح، أسرار الموتى مرعبة، هناك مقاعد فاغرة  الأفواه تتعارك عليها الظلال، أشعلت لفافة تبغ وتقدمت، شاهدات القبور تقف كبطاقة تعريف للموتى وكإشارة مرور حمراء لا يجوز تجاوزها، الشاهدات كثيرة وأنا أسير كحافلة بين المارة، كراكب حافلة صرتُ وهو يتأمل المارة وراء زجاج دمه ثقيل، فتشتُ عن ضريح نزار مستعينا بعود الثقاب فادني التدخين هذه المرة، كلما أشعل عود ثقاب تغزوني الظلال ويرعبني الصوت الخارج من الكبريت، وأخيرا رأيت قبر نزار وقفتُ -وأنا المنطلق في أسرار الحياة، منذ طفولتي أبحث عن أسرار الكون- صدرَتْ حركة خفيفة من قبر جار نزار، التفتُ ورائي لم أجد شيئا، العقل الواعي ما زال عندي في أوج حالاته والصور الذهنية التي أراها ربما تخلقها هواجسي في هذا العقل الباطن الساذج.

وضعتُ الكاميرا في وضع التصوير الليلي بفلاش ساطع ثم عيّرتها كي تصورني من تلقاء نفسها قرب قبر نزار، التقطت عدة صور ثم قرأت الفاتحة على قبره وهممتُ للرجوع، توحّلت قدماي وسمعتُ قهقهات و بكاء وصرخات مزعجة، هل أخطأتُ بإزعاجي للموتى الحلوين ذي الأسنان البالية والعظام المفحمة والأكفان الممزقة  بأخر الليل الوقت غير مناسب للزيارات،

سمعتُ أصوات أقدام ورائي فحسبتُ أن شخصاً يلاحقني ، أسرعتُ من خطواتي وازداد رعبي إلى أن خرجت من بوابة المقبرة، وصلتُ إلى المنزل وأنرتُ كل أضواء البيت، لم أستطع تحميض الفيلم فأجلته لليوم التالي فغرفة التحميض مظلة، وأنا هارب من ظلامين، في صباح اليوم التالي انتهيت من التحميض ، فرحتُ لأني وجدت صورتي وقبر نزار إذن أنا طبيعي، وكاد أن يغمى علي حين وجدت شخصاً يقف ورائي في كل الصور، بطول نزار وعرضه ونفس ملامح وجهه لكن البياض عليه أكثف من ضوء آلة تصويري.

ما زال الثلج يهطل في استانبول والكهرباء مقطوعة وغرفتي تكبر فيها الظلال، ووجه نزار يرسو أمامي في الغرفة برموشه الطويلة وجفونه الثابتة كما رنا في أخر صورة صوّرته إياها.

1-تقسيم اسم منطقة في استانبول .

2-أحمد كايا مطرب تركي عانى من مرارة السجون فمات شابا.

3-الكوان لغز بدون حل منطقي في الفلسفة البوذية.

استانبول 21-1-2011

 

 

 

 


23/11/2011 , 01:58 PM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

ثمة غريب

 

البحرُ يخلعُ قميصَهُ تكويهِ السماء

افتح ذراعيكَ يا مطر!

السعادةُ تخلعُ ثيابها، أتلبسني وهي عارية ؟!

ثمةَ غريب!

الليلُ قريبٌ ومنالٌ بعيدة

تسافرُ يا قلبُ باللهِ كفى

الليلُ غريبٌ والقمر صعدَ كتفَ النهر

النجمُ ترنيمٌ

القمرُ تسبيحٌ

السماءٌ مخاضٌ

الكونُ صلاة

وهي لا تدري

الليل كئيبٌ ورمشهُ طويلٌ في كانونَ

يُخيطُ المسافة

تتنفس أشجار البلوط النيكوتين

ويصيب أشجار الليمون فقر دم حاد 

لا تعشقِ الموتَ إلا وأنتَ قبر

لا تعشق الغريبة إلا وأنتَ وطن

***

في  غياب الشمسِ ..خفقاتُ قلب الغيث تزداد

العتمةُ عرافٌة قوراءُ الوجه تقلبُ فنجانها فيقرؤه الغريبُ

الليل كنزٌ ثريٌّ يسرقُ خزانةَ القلب

والظلام قناعٌ واللجةُ عمقُ

الضوء ينهار في الوجه ستار

آه يا ليل!

تبقى معشوق الفقراء ولوح الأماني البيضاء

سألتُ الفؤادَ : تراها بعيدة غريبة محالة ستصلى بنارٍ لتكتب نهاية

فردَّ عليَّ: على شاطئ البحرِ أجني الجمال

فكوني بقربي لنمسي المثال

بماذا تقكّر وماذا تغرّد؟

بهذي الثواني الحبيبة منال

الخزنة 4-3-2011

 

 

 


19/10/2011 , 04:06 AM قصائد من الشعر الحر
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط


الصفحة الأخيرة | صفحة 1 من 18 | الصفحة التالية

سجل وامتلك موقع مجاناً