نوزاد جعدان
كاتب وشاعر سوري

روابط

الصفحة الرئيسية
ملفي الشخصي
الأرشيف
أقلام أصدقائي الشعراء

الأقسام

الجوائز
خواطر وكلمات
أدب أطفال
أساطير السينما الهندية
أساطير من حول العالم
أولى التجارب الشعرية
سيرتي الذاتية
مقابلات
مقالات
قالوا عن أعماله
قصائد باللغة الإنجليزية
قصائد بخطي
قصائد ترجمتها من الأدب لعالمي
قصائد من الشعر الحر
قصائد موزونة
قصص قصيرة
قصص قصيرة جدا
فيديو

مواقع صديقة

صفحتي في ديوان العرب
صفحتي في دروب
صفحتي في صيّاد الشعر الأمريكي
صفحتي في القصة السورية
صفحتي في أدب فن
صفحتي في حيفا لنا
صفحتي في أبيات
عضويتي في حركة شعراء العالم
صفحتي في مركز النور
صفحتي في ضفاف
صفحتي في دجلتين
صفحتي في صدانا
صفحتي في ألف حرية
صفحتي في القصة العربية
صفحتي في المثقف
صفحتي في بويت فريك الأمريكي
صفحتي في شايري الهندي
سيرة ذاتية في ديوان العرب
دليل سير ذاتية
صفحتي في تلسقيف
صفحتي في عامودا كوم
صفختي في موسوعة الشعر العربي
صفحتي في بيور
ديواني في موسوعة الشعراء العرب
صفحتي في موسوعة ويكبيديا
صفحتي في الفيس بوك

اللامنتمي

اللامنتمي

تمر العواصف حبلى بالغبار الكثيف فيتوزع التراب وتضيع الريح دون أن تنتمي إلى مكان، صريرها يجتاح الأفق فتبدو كهمسات لمن يتدفأ قرب الموقد، وكصفعات لمن ينام في الخارج ويئن تحت وطأة أنين الريح، تنبح الكلاب في كانون لعلها ترى البرد عارياً كعادته، تتعرى الأشجار فتغتصبها الريح وحدها شجرة البلوط تبقى محتشمة، البحر لا يهدئ يمد قدميه الطويلتين غيتوجع الصخر وتلبس السماء ثوب البحر ويلبس البحر حجاباً سميكاً تتدفأ الأسماك وتزعق النوارس لتغدو ترنيمة للوجع.

وحده يقف على الشاطئ دون ان يتأثر بالبرد ففي داخله ليل من البرد بعد أن بدأ يرى الرؤى، يحدق في الأمواج العاتية فيرى وجه الأحباب وسفن من غادروا فيتوقف شراع الذاكرة كبيرق أسود، كل اهل البلدة تعرف أنس الشاب الثلاثيني الطويل القامة والنقي الثغر والمسرول الساقين المحطوط المتن ذو الشعر الطويل والذقن الطويلة، والذي اتخذ الليل حبا والقمر معشوقة، والصبح بغضاً والشمس عدواً.

يمر أنس كل ليلة على الشاطئ محدقا في ما حوله وفي سقط متاع الأسرار هذا العباب الهائج،  ثم يتوقف عند صيّاد السمك إياد والذي يرمي صتارة سمكه في البحر الصائم فلا أسماك تخرج في كانون، وإياد رمز  أخر من رموز البلدة يغتي للبحر والبحر لا يغدق عليه، ينتظر كل يوم ويرجع خاوي الوفاض بسلته الكبيرة التي تعتليها كوشة كبيرة.

هطل الثلج في ذلك اليوم بغزارة، وسُغدت الاشجار بقبعتها البيضاء وانتشت السماء حين اشترتْ ثوبها الأبيض كأن العيد آت ، أما انس تسكع في تلك الليلة في ارجاء البلدة البيضاء قرب الشاطئ محدقاً في البحر وضوء خافت على ظهر سفينة يرنو كمقبرة جماعية للآمال.

مرت نسمة ريح عاتية،  واستوقف نظر انس فتاة تلبس ثوب الزفاف الابيض خالها قطغة ثلج أو رجل ثلج ولكن ميّزها من شعرها الأسود الطويل الذي يتدلى ليصل إلى عجزها.

فرك عينيه وتساءل من هذه المجنونة التي تتجرأ أن تخرج من منزلها في هذا المساء المثلج، اقترب منها والموج يصفع الصخر فيئن الصخر مصدرا الإنكسارات.

-مساء الخير!

التفتتْ الفتاة نحو أنس، كانت غاية في الجمال بشعرها الطويل الأسود وعينيها النجلاوين وبياض بشرتها الثلجية بيد أن  وجهها شاحب وفي يدها زهرة خزامى ذابلة.

قالت بنبرة هادئة: مساء النور.

-اعتذر إن تطفلت عليك أو قطعت خلوتك ولكن الجو بارد والثلج يغطي المكان ستمرضين.

-وأنت الا تبرد؟!..

-أنا تعودت على الأمر وهذه طقوسي اليومية.

-وأنا تعودت الإنتظار والبرد.

-تنتظرين من؟!..

-حبيبي.

-آمل ألا يطول انتظارك، ما اسمك؟..

-آية، وأنت؟!..

-أنس .

- ما الذي يدفع بك كل يوم إلى التسكع ليلاً.

-مللتُ الحياة والبشر وربما لأني كشفت سر الحياة وانتهت اللعبة.

-وأي سر هذا؟!..

-هي أسرار كثيرة ألا ترين تفاهة الدنيا، لا عدالة ترسو الفروقات الطبقية تقتلنا، الفقير والغني الأسود والأبيض الليل والنهار، الثروة التي لا تورع بالتساوي، البعض يعمل الليل والنهار ولا يجني سوى طعام بطنه والآخرون لا يعملون تزداد ثروتهم  كل ثانية ، لمَ لا نحيا سوية كلنا في قسط واحد، لمَ يُشترى الإنسان ويباع بالنقود التي أمست غاية وليست وسبلة ، أصبحت المبادئ تتناهى في غاية المال، لم أتأقلم مع المجتمع ، أحببت الصمت والتأمل وتعجبت لتفاهة الناس وسخف أحاديثهم وألاعيبهم السخيفة وفراغهم الممل، أردت ان يكون اصدقائي مثلي ولما أستطع فآثرت الصمت والبقاء وحيدا.

-ما الذي تبتغيه من الحياة؟!..

حكّ أنس مؤخرة  رأسه وفكر ثم تلعثم قليلا وأجاب:

-الحياة قصيرة وعلينا أن نقدم شسئا لها ونسعى ما دام الزمان يمضي، قدمت بعض المخطوطات التي كتبتعا أردت أن أكتب بالبياض كل ما يعتلي ظلام نفسي، -هل تعلمين أن أسرار الحياة تؤرقني حدا وأحب التنقيب عن أسرارها التي تجعلني أشك في كل حقيقة على أنها وهم.

-ستؤلم نفسك وحين تصل إلى الحقيقة تكون النهاية حانت.

سطع القمر في تلك الليلة فيدا قاربا مبحرا وسفينة الشعراء .

 -ماذا تعمل يا أنس ؟..

-عندما يتكاسل الجسد نعمل الروح، بقيت بين سراديب الكتب .

-إذاً هذي أسباب بعدك وزهدك؟

- بعضها ولكن منذ أن بدأت أرى الرؤى، حدث ذلك قبل عامين حين زرت قلعة قديمة أنا وصديقي ، وقفت أتأملها فتكلمت مع السلاطين والخدم ورقصت مع الجاريات، رأيت تاريخ تلك القلعة ونشأتها حسبني صديقي إني اكلم نفسي، هو لم يرَ غير الحجارة.

- ربما كنت تحلم.

-الحلم حقيقة أو وهم أخر أو تاريخ نهرب منه، هي الضفة الأخرى من الحياة، بالمناسبة ما سر بدلة العرس هذه؟!.

- هربت في ليلة عرسي وانتظر حبيبي.

- وأنا انتظرت حبيبتي فتزوجت غيري، هل اليوم كان عرسك؟!.

-  منذ زمن طويل،  لم اعد اذكر.

خيّم صمت رهيب على المكان فض هدوءه حفيف أشجار البلوط. كأنها تفتح فأل المستقبل.

-ألم تشعري بالبرد؟!..

-لا انا بخير لن أموت من البرد.

-  أصبحنا اثنين لا يخشيان الموت، ممَ أخشى مادام النوم موت في تسمية مختلفة، الموت نوم طويل، تعبنا وشقينا  في الحياة كثيرا ونهاية كل تعب راحة والراحة تعيد الطاقة لذا سنحيا ونموت كثيرا، "يصمت قليلا ثم يستطرد" أستأذنك الآن بالرحيل تباشير الصباح أينعت ولا أريد رؤية المدينة عارية على حقيقتها في ضوء النهار، هل لنا أن نلتقي ثانية؟!.

-سألقاك عندما أبتغي.

-ألن تغادري ؟!.

-لا سأنتظر.

غادر أنس إلى المنزل وصورة آية تسكن مخيلته، تبدأ غامضة الملامح ثم تتوضح كالثلج حين ينتحر على الأرض، وصل غرفته تقلب كثيرا وصابه ارق حاد فغاب الرقاد، بزغت الشمس ولم يتضايق أنس من أشعتها، رسم وجه آية على الجدار ولوّنها بلون الخزامى ثم مضى إلى الشاطئ والبحر يشد حباله، والغيم معلق كثوب على حبل غسيل الجبل أتراه ينتحر!، بحث عنها لم يجدها، انتظرها طويلا حتى غفا قلبلا، تلوّنت لوحة السماء باللون القائم ففتح انس عينيه وجدها جاثية قربه.

باغتته بنبرة هادئة:

-يبدو انك لم تنم؟!.

-تغير أخافه واستغرب منه.

-لمَ الخوف؟!.

-لا أعلم وجهك لم يغادر مرآة عيني البارحة.

-أنت لا تغرفني ولا تعرف شيئا عني.

-أحيانا نهوى أخدهم من صورته.

-لستُ فتاة تُهوى، ثم انا انتظر حبيبي.

- دعيني أشعر بقلبي يكفيني هذا لأنك نقلبين بقعتي الصغيرة إلى عالم واسع.

تكاثف هطول الثلج، وازداد بياض السماء كأنها حقول قطن، اعتلتْ آية صخرة وقفزت إلى البحر.

صرخ أنس مستنجدا وما من احد حوله، فقفز وراءها حتى كسر هدوء البحر فسخط العباب عليه في ليلة كشف الثلج أوراقه.

كان حفيف أشجار البلوط والزيزفون تلحن ترنيمة غريبة، وزهرة خزامى وحيدة على رمال الشاطئ أنهكها الماء المالح، لبس البحر تاج الشمس وذابت كل حقيقة ووهم، وانحل الثلج المسافر في ذلك الصباح الراحل، واستيقظت البلدة لتستقبل على شاطئ البحر حثتين إحداها لشاب مازالت محافظة على كل ملامحها والأخرى لفتاة لم يبق من ملامحها شيء سوى فستان العرس فقد أكلت الأسماك جثتها، وقف الصيّاد إياد على الشاطئ ورمى سلة صيده إلى لجة البحر حافظ الأسرار.

اسطنبول 27-7-2011

 


30/12/2011 , 03:29 AM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

أغنية التسكع

 

أغنية التسكع

الموسيقى خافتة الليلة، لمْ تدقّ الساعة الثانية عشر بعد، فاليوم هو عيد رأس السنة وفرحان على معدة خاوية بقدميه النحيلتين يجلس تحت ظل شجرة تقيهِ من رذاذ الوابل، يفكر تارة بماذا أذنب ليحيا كما تحيا الماشية، لا يملك شيئاً ليعيش في سبيله أو غاية ليموت في سبيلها.

في ذروة تفكيره هزّ صوت  انفجار وصراخ وهتاف  مضجع فرحان، فهاهم البشر يحتفلون بميلاد عام جديد ووفاة عام قديم، كم أنتَ سخيف أيها الإنسان!..

ردد في خلده وقام من مكانه ليتسكع كعادته، تقدم وتأمل أشجار الميلاد الجميلة القد ودقّق في الألعاب النارية التي تحمل في ضوئها وهجاًً ووميض حلم، فكر كم يدفع الأغنياء ثمن فرحهم للحظات!..

مرّ من المحلات المغلقة وحوانيت الشرب، وتأمل المطاعم الفارهة والركب والأفخاذ العارية، أفخاذ السيدات وأفخاذ الدجاج فالاثنان لذيذان..

جلس القرفصاء على رصيفٍ يواجه  محلات الأغنياء، فهو يعشق المشي هناك وحدّث نفسه:

آهٍ يا فرحان !..كم تستهويك رائحة عطور النساء وكم تؤرقك!..وكم يحرقك المرور أمام رائحة اللحم اللذيذة دون أن تتذوقها ولكن شمها ممتع أيضاً، فربما تسحبها دخاناً تمطر عليك غداً..

يمضي فرحان والألعاب النارية تفتح نوراً في السماء فلا قمر الليلة، ثم يجلس مرة أخرى متردداً على الرغم من إنه لا يمتلك شيئاً ولكن له قرار التردد،  ركبتاه تؤلمانهِ  فيبني من الرصيف كرسياً ومقعداً ويشرد في النجوم التي لم يعد من المستطاع تمييزها عن الألعاب النارية، تذكّر نجوم قريته كم هي بريئة وشجاعة!..

في شوارع الأغنياء تجد مختلف أنواع المجاملات والسيارات الثمينة والأقنعة التي تلوّن الوجوه وبعض الآمال التي تدخل في الجيب..

يزداد جوع فرحان كلما خطا خطوة، فلا شيء يملكه إلا جهاز راديو صغير يعلقه  على حزامه،  وقد اشتراه منذ زمن ليسمع منه الأغاني، الموتُ أهون له من أن يبيع شيئاً يقويه في المحن، ولكن حتى لو أراد بيعه سيتهمه الحانوتي بالسرقة وسيسجن بعدها ولذاع صيته بالحرامي وبالنسبة  لفرحان لقب المتسكع أشرف من الحرامي..

نال الشرود مرة أخرى من فرحان ولكن ما أيقظه لعبة نارية ضربت رأسه فاحترقت قبعته، شكر ربه لأن رأسه ليس حاسراً، ثمَّ أخرج نصف سيجارة وجدها على طرف الطريق، فبللها بلعابه ونفثها وقبل انتهائه منها غرز فيها إبرة كي لا تحرق شفتيه، والمطر غزير يبلل ثيابه الخارجية أما الداخلية لم تتبلل ففرحان لا يعرف ما معنى ثياب داخلية، أما الوابل فشيء تعلم عليه منذ زمن فالثلج أمه والمطر أبوه والبرد إخوته، وقف أمام مطعم ككلب جائع لم يعره أحد اهتماما، أخفض حاجبيه وابتسم ابتسامة غبية لعله  يشفق أحدهم عليه وما من أحد التفت إليه، العالم كرة مدببة يا فرحان إلى أين تمضي؟!..

تابع مسيره إلى المجهول، رأى دورية شرطة تقتات وتحرس في يوم العيد، عندما لمحها هرب منها لحقّه شرطيان بوزنين ثقيلين، فر فرحان بجسمه النحيل فهو بالفطرة يملك جسماً نحيلاً  لا يحتاج إلى تمارين لياقة كما يفعل الأغنياء، فكيف سيكون جسم من لم يذق طعم اللحم لا في الأفراح ولا في  الأتراح، وصل بفراره إلى حارة الفقراء والفقراء يغدقون  الأموال الكثيرة على طعامهم الشهي وما يهمهم سعادتهم  ولكنهم لا يشعلون النار أبداً.. لا يشعلونها..  

مازال الشرطيان يتتبعانه فقفز فرحان من على سور إحدى البيوت، وتسلل خفية اصطدم بقيثارة ونوط موسيقية وطبلة وأوراق مبعثرة هنا وهناك وصور شعراء وفنانين معلقة على الجدار، والصمت يخيم على المكان فقد توقفت المفرقعات وانتهت مراسم جنازة العام الماضي  فانيٌّ أيُّها الضجيج!.. سرمديٌّ أيها الصمت! .

وصل فرحان إلى المطبخ وشكر ربه ، فتح باب البراد فوجده خاوٍ إلا من بعض الجليد، لعن حظه العاثر لأنه اقتحم بيت شخص أشد عوزاً منه.

التفت وراءه فرأى رغيفاً وحيداً من الخبز يتربع على الطاولة، اقترب ليتناوله فسمع صوت غناء يفتح دروب الأسى:

قدْ كنتِ كلّ آمالي

بدقيقةٍ تلاشتْ ..صارتْ سراباً

بكبسةٍ من خاتم..ٍ أمستْ تراباً

عنجهيٌّ سارقٌ لأحلامي

فأيُّ الرواية  هذه

لصوصٌ أبطالُ القصةْ

فآهٍ يا آلامي ..وآهٍ يا آلامي

وضع فرحان الرغيف جانباً وابتلتْ عيونه بالدموع، ففرحان عاطفي من الدرجة الأولى نشأ على مدح جمال القمر وشكر الشمس على شعاعها الجميل، وقف أمام الغرفة التي بدا منها الصوت، وغدا يبكي كالأرامل في محراب الحزنِ.

اقتحم الغرفة على المغني وهو يصرخ : كفى لقد قتلتني ، سار الرعب في جسد المغني وقام برمي المفنضة على رأس فرحان فأطاحته أرضاً، الدماء تسيل من رأسه،  كم سيتحمل رأسك يا فرحان!..

استغاث فرحان قائلاً :

-لستُ بسارق يا سيدي، أنا هنا لأني أعجبت بصوتك الشجي وآلمني غناؤك فأردت معرفة قصتك..

-كبف تدخلُ بيتي عنوةً؟..إن لم تكن سارقاً فمن أنت؟..

-لستُ سارقاً فالسارق كلمة خطيرة قل عني متسكعاً خانه القدر فصار لصاً، أردتُ رغيفاً من الخبز لأسد جوعي فأنا أتضور منذ يومين، ولم أجد عندك إلا رغيفاً واحداً فتركته جانباً ولم أتناول منه شيئاً، اعذرني سأرحل فوراً..

-توقّف!..سأتصل بالشرطة ..

-خذ يا سيدي ، هذا الراديو كل ما أملك ، وأغلى ما عندي خذه ولكن لا تتصل بالشرطة أتوسل إليكَ..

-حسناً ..اقترب.

دنا فرحان بخوف من المغني ذو المنظر المهيب فهو متوسط طول القامة، له ذقن طويلة ، وشعر كثيف يخترق كتفيه، وممتلئ الجسم، أما فرحان نحيل الجسم تهزه الريح كغصن غض.

-نعم يا سيدي!..

-دعني أضع الدواء على رأسك اجلس.

-لا يا سيدي ، تعودت على الجروح فلم يعد هناك مكان في جسمي ، فبيني وبين الجرح  خبز وملح وصداقة قديمة.

عالج المغني رأس فرحان الدامي، وفرحان يشرد فيه ويفكر بمعدته الخاوي.

-قلْ لي يا سيدي، تبدو شخصاً ذا علمٍ وصوت جميل، وأرى في غرفتك أوراقاً كثيرة، اذكر أن جدي قال لي مرة ، من يقرأ كثيراً إما مجنون أو عبقري، ويبدو من محياك الاثنان، لمَ وضعكَ المادي سيء؟!..فأنا على معدتي الخاوية أشفق عليك!..

-لا تقل عني فقيراً، بل قل : أنا من خانه القدر، أو نجمة  في سماءٍ مُدلّهةٍ بأعمدة الرصيف، أغاني تتحدث عن الفقر والبؤس ولا يعير أحد لها اهتماما، فالجميع يبحث عن أغاني الحب والجنس، في ذاك اليوم توجّهتُ إلى إحدى الفرق الموسيقية لانضم إليها، غنيت لهم عن الفقر فخرّتْ اللجنة ضحكاً، وقالوا : أتريد إبكاء الجماهير، نريد شيئاً مفرفشاً ، خرجت من عندهم وأنا أدقق في اللجنة التي تتألف من رجال عجائز وفتيات حسناوات فعرفتُ أن الفرقة تقبل الفتيات ولا تريد المواهب ولكن الرتب تختلف على حسب حجم الخلفيات، فكل فتاةٍ تستطيع إصدار ألبوم بمقابل ، ويدعمها الجميع وينظمون لها الحفلات ..

أما أنا فقد اتصلتُ من يومين بموظف يدعي صداقتي في نقابة الفنانين،   لا تتجاوز شهادته البكالوريا  عن بعض الألحان التي وضعتها في النقابة، تركني نصف ساعة على الهاتف وأنا من قلبي الطيب انتظرته نصف ساعة،  ومن ثم سمعتُ فتاة على الهاتف تقول لي لقد غادر  الموظف الفلاني النقابة منذ أكثر من ربع ساعة أغلق السماعة، تمنيت ُحينها أن أغني فربما يفهم الجيل القادم حزني، فقد تخرجت من الجامعة  التي كنت أعمل وأدرس في نفس الوقت في حياة بين الجامعة والمعامل والمطاعم ، كم كنت أنام في المحاضرات!، والآن أغني للفقر وما من كفيل ، فتبدلتْ أفكاري وحاولتُ أن أغني عن الحب.

-لمَ غنيتَ أغنية حزينة  جدا، لقد قطعتَ قلبي كما تقطعتْ معدتي من الجوعِ.

أحضر المغني الرغيف من المطبخ وناوله لفرحان، هجم على الرغيف و أناه في ثوانٍ وشرب معها ما يعادل ليترا من الماء ليهضم الطعام بديلا عن المياه الغازية..

-سأجيبك يا صديقي، منذ زمن وأنا أحب رفيقة دربي في العزف والتلحين، كنا نتدرب سوية وكانت تفهم علي قبل أن أنطق بالكلام ، تعلمتْ كل شيء مني  كانت كثيرة السؤال لتستفيد، ثم تركتني.. وكحائط أغلقت مداي في النهاية، في إحدى الأيام قصدنا فرقة موسيقية لننضم إليها وكان قائد الفرقة شخصاً ميسور الحال  قبلها على الفور لجمالها الخلاب ورفضني  لأني قلت لها : لا تقبلي، لكن الأضواء استهوتها فكيف لأنثى أن ترفض الضوء؟!..

تركتني جانباً وابتعدت عني وركضت خلف نرجسيتها والآن ربما سيتزوجها ..

-       تأتيني فكرة يا صديقي، لا تنظر إلى رأسي الصغير فهو منبع الأفكار..

-ما هي يا صديقي الشحاذ؟..

-لا تقل عني شحاذاً قلْ ابن فقر، سأذهب لأسرق بيت قائد الفرقة، وأحضر من بيتهِ شيئاً ثميناً فعندما كنت صغيراً في دار الأيتام تعلمت طرق لصوصية وحين بلوغي المراهقة أعلنت توبتي .

- لا تفعل ذلك، ما الفائدة فقد سلب أغلى ما عندي..

-لا تخف!..ففرحان يحدثك وعندما يقول كلمة فهو بحجمها..

تحت إصرار ه، شرح المغني مكان بيت قائد الفرقة، توجه فرحان إلى مبتغاه والهواء يخرج من أنفه كالتيس الذي علق أمامه   قماش أحمر، فهو غاضب وعاطفي ويكوّر لكمته تجهزاً لمهمته، فالمغني أصبح أعز صديق لديه وقد أعطاه خبزاً ، فمن الذي يعطي خبزاً دون مقابل؟..

وصل  فرحان والحجارة تكسرتْ تحت أقدامه ، فقد امتلأت معدته  ، وقف أمام باب الشقة وبعد محاولات عدة  فتح الباب ووصل إلى بهو الشقة  واستغرب لجمال المنزل وروائح الشواء التي تفوح منه والزينة الجميلة والكراسي الساحرة، وقف أمام المرآة  سرّح شعره قليلاً، مشى على رؤوس أصابعه ثم دخل غرفة لم يجد فيها أحداً، بدأ يفتش عن غرض ثمين ليسرقه ، سمع صوتاً فتوقف " حرامي..حرامي".

سقطتْ الأغراض من يد فرحان وركض مسرعاً لينجو قبل أن يقبضوا عليه، وصل إلى باب الشقة فتحه بعد أن اصطدم بأحدهم وقبل أن يقبض عليه هرب فرحان لكن الراديو الذي يملكه سقط في فناء الشقة ، أما قائد الفرقة فلم يخرج من غرفته حتى فقط كان يصرخ.

تنفس فرحان الصعداء وهو يلهث بحث عن الراديو ولم يجده ، بحث جيدا وما من أثر، فكر لبرهة أن يرجع لقائد الفرقة ويبحث عن الراديو ولكن سيقبضون عليه، فكر أن يذهب  إلى صديقه المغني لكن ماذا سيقول له؟!..وقف في منتصف الشارع ، حاصرته السيارات بضوئها فغنى:                  كل شيء يتهدم.. يفنى الأمل ..و يبقى الألم

                                        فآه  يا آلامي ..وآه يا آلامي ..لصوص أبطال الرواية .

حلب 2009

عن مجلة عود الند العدد65  

 

 


23/11/2011 , 02:06 PM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

خزانةٌ ترابية

 

إنّها تثلجُ الآن في استانبول، كرات الثلج تنبعث من السماء كأنها فقاعات صابونية تنفثها فاه ولد صغير يلهو، يشتد الثلج كلما شعرتْ الأشجار بضعفه، فينزل على رؤوس الأحياء ليبلل شعرهم وعلى السقوف القرميدية لتعتمر المدينة قبعة بيضاء، وعلى رؤوس القبور ليتبلل التراب، لقد توحّل الموت!، الشوارع ما زالت تعج بالمارة فقد اعتادوا على المطر والثلج، البعض يحتفل وآخرون يشحذون والأهم أن الناس في الزقاق الذي أقطنه لا تنام، (تقسيم)1 امرأة عاقر ثملة لا تنام، أما أنا ما زلت أتقلب و أتضرع من النوم الرحمة، فذاك الخوف الذي ولّّده فيني (نزار الصافي) منذ التقاطي له لأخر صورة لا يتركني.

رافدة السقف تقترب من رأسي وذاك المصباح الأصفر المعلق يهتز ليحولني إلى معتوه، ظلال غريبة تتشكل على الحائط و أصوات تصرخ على آذاني قادمة من الغرفة الثانية كأنها إذاعة مشوشة، هل هي محطة الموت؟!..غريب قصة المذياع ينطفئ ويشتغل من تلقاء نفسه، في البهو الفاصل بين الغرفتين هناك ظلال ترنو من تلك المرآة الحمقاء، كم أكره المرايا!..، صمت طويل يعتريني وصوت القطط في الخارج يؤرقني، ومما يزيد الطين بلة صورة الأشباح البيضاء وهي تنزل من السماء كلوحة للموت بدون إمضاء، أمسيتُ شديد القنوط فأدرتُ آلة التسجيل لأسمع أغنية لأحمد كايا2 ، ومن حظي التعس انقطعتِ الكهرباء فجلستُ مع صمتي وظلامي وهواجسي حين قدم نزار لأول مرة إلى مكتبي.

كان  طويل القامة، جسمه متناسق ووجه نحيل لكنه مرتعش وخائف، أجلسته قربي واحتسينا كوبين من الشاي، وجهه أصفر وعيناه رمشاها طويلان، لا أستطيع نسيان تينك العينين، فيها مشاهد عابرة ولقطات لا تصلها أية آلة تصوير من تلك التي أملكها.

قال لي: إني على حافة الجنون، لم أنم منذ ليالٍ طويلة، الأصوات تعبث في دماغي وقلبي يكاد يتوقف عن الوجيب، أؤكد لك إني أحادثهم، في ذلك اليوم في المقابر تحدثت مع جدي وجدتي كانوا في أبهى صورتيهما، ما هذا الكوان3 الذي يحيط بي، كلما أتصوّر قرب قبر  تظهر صورة الضريح ولا أبدو أنا، أرى ظلاماً يسكن في روحنا المظلمة وعقلنا الساكن في عباب السواد، هل أنا موجود يا صديقي؟!..

-طبعاً!..ما هذا الكلام، هدئ من روعك!..في هذه الصورة ستظهر حتماً ، ربما تخطئ في الإضاءة أو زاوية التصوير أو تلبس بذلة داكنة، إنك متعب عليك بالنوم والاسترخاء..

حمّضتُ الفيلم ولم تظهر صورة نزار بل صور للمقابر، سألته: ألم ترَ غير القبور كي تتصور قربها، يا أخي الناس تلتقط صوراً لها في حديقة أو طبيعة أو في قصر، وليس في مكان تفقد الحياة ذاكرتها.

 لكزني على كتفي ونظر إلي برموشه التي لا ترف أبدا، نظرته ثابتة كمسرح لا يعرف الستارة -سيتعبك الجمهور - قائلا:  في المقابر تجد المدينة الفاضلة الحياة فيها حياة، الطبقات تتلاشى والأموات ما أجملهم بهدوئهم  ، وأنت المتطفل عليهم تشاركهم حينما تحلم ويشاركونك حينما تزورهم، أتعلم ربما جدي خرج من قبره الآن وأصبح الآن في الصين وربما أمي في أوربا مَن يدري؟..ربما يخرجون من قبورهم، وهم في مكان بعيد لا تستطيع أن تراهم، لكنهم أحياء ألا تتساءل عن تلك الشخصيات التي تراها عابرة في الشارع أو الحافلة أو القطار ربما خرجوا من قبورهم وهم آباء وأبناء لأشخاص آخرين من بلدان أخرى، هم الأموات الأحياء، إن الحديث عن الموت يلغي الحياة يا صديقي ماذا لو نفينا الموت، لولا النتائج لما فكرنا بالأسباب، أنا أتمنى الموت فقد فشلت في كل شيء، في الحب مغفل فاشل، في الصداقة لم تبقَ لي سوى علبة سجائري صديقة وحيدة  تتركني إن لم أملك المال، في العمل فشلت لأني لم أفكر في الطرق الملتوية، بقيت بمبادئي سحقني القدر آه من روحي بحر فقد أضلاعه، لذا صادقت القبور، أردت التصور فرب كل قبر في العالم، تربطني صداقات حميمة  مع الموتى أتكلم معهم إنهم حولي وأنا حولهم، هم أحياء أعرف إنك عير موقن بذلك، كل قبر يفتح لي أسرار مغلقة، أفكر كيف عاش هذا الشخص ما كانت آماله، كيف كانت حياته، كيف استيقظ من موته، هل كان عاشقاً أم معشوقاً من الجميلات، أفكر في مارلين مونرو الحسناء ماذا حلّ بها كم كانت آمال الرجال معلقة في مصباحها، كانوا يقفون في طابور طويل ليلقوا نظرة عليها، ما هذا السخف الآن أمست تراباً أمعقول !.. تخيّل لو تظهر الآن ستتبول في سروالك، ما لا يفنى يعيش يا صديقي وحين يضيع كل شيء ستجد الروح طريقها حتماً، هل نقبر آمالنا في الحياة ونحيا في المقابر، أهي مسرح هذه الحياة، نتحرك فيه كالدمى والساكنون في الأسفل يشاهدوننا ويسخرون منا، ترى أي الأضرحة مباركة تلك التي تغزوها الأعشاب أم العارية، أتعلم مرة زرت قبرا لفتاة مقتولة بجريمة شرف، وجدت أجمل أنواع الورد على ضريحها، خمّنتُ أن لها قلباً بكل ألوان الزهور، الروح صافية يفسدها العقل البشري، ما ذنبها كي تقتل، هل الخالق قاتلها لا، هل يحيا الموت بالصلاة وتفنى الحياة باليقين؟!..  آه من الإنسان ذلك السر المحفوظ في خزانة ترابية!..

أومأتُ له بابتسامة ملتوية  وشعرت بحديثه ينتقل بين المنطق والجنون، وترعبني جفونه كأنها ملتصقة بعينيه بلاصق من أعلى، شفاهه بالكاد تتحرك والصوت يخرج من لجة الروح، ناولته الصور التي حمضتها ولم يتعجب من عدم ظهوره مبررا لي بتعوده على الأمر فهي ليست المرة الأولى، أمسكتُ آلة التصوير  والتقطتُ له صورة بمحاذاة صورة  لفيرجينا وولف معلقة في فناء المكتب عندي،  وعلى الفور حمضتُ الصورة التي كانت صدمة لي حين بدت فيرجينا وحيدة في الصورة بملامحها الحزينة ووجهها البائس.

بعد زيارته بفترة علمت أنه في مصح عقلي يتعالج وبعد مدة مات بسكتة قلبية، وقد قالتْ لي الممرضة أن نظرته كانت ثابتة بعينين واسعتين تنظران باتجاه النافذة المفتوحة والستائر التي تتراقص عليها الريح، وقد دفنوه قرب قبر أمه و جده في ضاحية المدينة، ترى أين تحوم روحك يا نزار؟!..فكرتُ لماذا لا أذهب و أتصور قرب قبره هل ستظهر صورتي ؟!...

كانت تمطر بغزارة، لبستُ كنزة صوفية سميكة واعتمرت قبعة وانتعلت حذاء طويلا وأخذت مظلتي معي..

كان مطرا مجنوناً ودموع السماء تصدر موسيقى على مظلتي كأنها قرع طبول الموت، لا أعرف لمَ اخترتُ الليل كي أتصور فيه ربما عشقي لهذا الجلباب الأسود والسر الذي يخفيه ليل الدنيا وليل العقل البشري وربما لأنه يذكرني بفتيات حلب بمعطفهم الأسود الطويل..

الليل حالك وأضواء الرصيف تشكل رتلا يتضاءل ليصل لباب المقبرة ، يختتم اللحن هناك، أما باب المقبرة فكان بوابة قديمة حديدية تعزف صريراً مزعجاً، الأشجار تتمايل وتعزف الرياح عليها زفيفاً هادئا، كأنها تنقل الرسائل بهمس خفيف لسر يباح، أسرار الموتى مرعبة، هناك مقاعد فاغرة  الأفواه تتعارك عليها الظلال، أشعلت لفافة تبغ وتقدمت، شاهدات القبور تقف كبطاقة تعريف للموتى وكإشارة مرور حمراء لا يجوز تجاوزها، الشاهدات كثيرة وأنا أسير كحافلة بين المارة، كراكب حافلة صرتُ وهو يتأمل المارة وراء زجاج دمه ثقيل، فتشتُ عن ضريح نزار مستعينا بعود الثقاب فادني التدخين هذه المرة، كلما أشعل عود ثقاب تغزوني الظلال ويرعبني الصوت الخارج من الكبريت، وأخيرا رأيت قبر نزار وقفتُ -وأنا المنطلق في أسرار الحياة، منذ طفولتي أبحث عن أسرار الكون- صدرَتْ حركة خفيفة من قبر جار نزار، التفتُ ورائي لم أجد شيئا، العقل الواعي ما زال عندي في أوج حالاته والصور الذهنية التي أراها ربما تخلقها هواجسي في هذا العقل الباطن الساذج.

وضعتُ الكاميرا في وضع التصوير الليلي بفلاش ساطع ثم عيّرتها كي تصورني من تلقاء نفسها قرب قبر نزار، التقطت عدة صور ثم قرأت الفاتحة على قبره وهممتُ للرجوع، توحّلت قدماي وسمعتُ قهقهات و بكاء وصرخات مزعجة، هل أخطأتُ بإزعاجي للموتى الحلوين ذي الأسنان البالية والعظام المفحمة والأكفان الممزقة  بأخر الليل الوقت غير مناسب للزيارات،

سمعتُ أصوات أقدام ورائي فحسبتُ أن شخصاً يلاحقني ، أسرعتُ من خطواتي وازداد رعبي إلى أن خرجت من بوابة المقبرة، وصلتُ إلى المنزل وأنرتُ كل أضواء البيت، لم أستطع تحميض الفيلم فأجلته لليوم التالي فغرفة التحميض مظلة، وأنا هارب من ظلامين، في صباح اليوم التالي انتهيت من التحميض ، فرحتُ لأني وجدت صورتي وقبر نزار إذن أنا طبيعي، وكاد أن يغمى علي حين وجدت شخصاً يقف ورائي في كل الصور، بطول نزار وعرضه ونفس ملامح وجهه لكن البياض عليه أكثف من ضوء آلة تصويري.

ما زال الثلج يهطل في استانبول والكهرباء مقطوعة وغرفتي تكبر فيها الظلال، ووجه نزار يرسو أمامي في الغرفة برموشه الطويلة وجفونه الثابتة كما رنا في أخر صورة صوّرته إياها.

1-تقسيم اسم منطقة في استانبول .

2-أحمد كايا مطرب تركي عانى من مرارة السجون فمات شابا.

3-الكوان لغز بدون حل منطقي في الفلسفة البوذية.

استانبول 21-1-2011

 

 

 

 


23/11/2011 , 01:58 PM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

أسرار الغناء 2

بعد أن دمدم مع نفسه، اتجه سعيد  إلى الإذاعة وبعد جدال طويل  سمح له الحرس بالدخول إلى الإذاعة، وصل لمكتب السكرتيرة :

-مرحباً!..

-أهلين.

-أنا مغني أريد مقابلة مدير الإذاعة وهل لي برقم هاتفه .

-ما الموضوع؟..

-موضوع بيني وبينه ..

-إن لم تقل ما الموضوع من المستحيل أن أعطيك أي معلومة.

-الموضوع إنتاج صاروخ نووي ..هل ارتحتِ؟!..

انصرف من مكتب السكرتيرة وهي تحسبه مجنوناً، وفي طريقه صادف مخرجاً مشهورا يعمل في الإذاعة، عرّف نفسه على المخرج و ما يبتغيه من وجوده في الإذاعة.

طلب منه المخرج أن يغني أغنية فأنشد سعيد أغنية عن المدينة ، صمت المخرج لبرهة وعيناه لم تستطيعا إخفاء الإعجاب بما غنى سعيد ولكنه خائف على كرسيه، فسعيد صوته طبيعي وفيه طبقات عالية ومرونة عالية، فأجابه المخرج بصوت خفيف ومهزوز:

لا تصلح لدينا حتى إلى عشر سنوات أخرى وأغانيك خشنة جدا ..أعتذر لكنه الواقع، حظاً موفقاً.

خرج سعيد من الإذاعة وهو يعزف على مزماره ألحانا حزينة، لم تك آماله في المدينة بهذا الشكل، لقد وضعت آمالا عالية ولكن هل ستقفز عليها يا سعيد! ، إنها ناطحة سحاب وطولك لا يتجاوز 175 سم! ردد مع نفسه.

استغرب سعيد من أغانيه التي أمست خشنة ومن شخصيته التي بدأت تقترب  من نجوم المدن الخجولة، كان لا يهتم سابقاً لآراء احد أما الآن لا يستطيع إخفاء رعبه وخجله وإخفاقه.

مشى والليل يخبئ بعضاً من وجهه القبيح، اعتلى قمة وجلس على كرسي يكشف سفور المدينة بالكامل في تلك اللحظة لم يعرف ما هو السر الذي يدفعه للغناء:

آهٍ وآهٍ يا ويلاهْ

من هذه الحياة أكفنُ الولهْ

تكاثرَ الأسى دخاناً من رماد أغانيهْ

سقى الجروحَ ملح بحرِهْ

سمع صوته أحد المنتشين سكراً، اقترب منه وهو يترنح :

-ما أعذب صوتك وما أجمله!..تعال وغني في مطعمنا.

-كم تعطون في المطعم؟..

-نقودا تكفي مصارفيك، لن تجد عملاً في المدينة، المدينة دب، عليك أن تكون وحشاً لتسرق عسله، إذا أردت أن تعمل عامل تنظيفات يجب أن يكون لديك احد المعارف إما عامل تنظيفات خبير أو قديم في العمل أو احد المهرجين.

-وأنت ماذا تعمل في المطعم؟

-أنا طبّاخ  وسأكون واسطتك لدى صاحب المطعم.

كانت الساعة تدق منتصف الليل حين وصول سعيد وصديقه الطبّاخ إلى صاحب المطعم البدين والقصير والذي يملك خلفية تكاد تكون هضبة.

-السلام عليكم.

-وعليكم الهاي ورحمة الله، تعال ولك.

تجهم وجه سعيد فمن هذا ليقول له ذلك .

-غنّي لي شيئاً.

-تكسّرتْ أقدامنا في  البحث عن عمل

واختفتْ من سمائنا نجوم الأمل

تخيّلوا ما عادتِ الحسناءُ تلفتُ النظر ْ

لا رملٌ يدمي العينَ بالألمْ

-ما هذه الأغنية الهابطة، أتريد إغلاق المطعم، يا لك من فاشل غبي، غنّي لي شيئاً يفتح الشهية على الطعام.

كوّر سعيد لكمته، ولكنه تراجع فهو مضطر إلى العمل، فالعمل أفضل من النوم على الرصيف أو في إحدى محطات الحافلات، لننسى المبادئ يا سعيد الليلة وغنّي لهذا المسخ، ردّد مع نفسه ثم شدا:

- مضيفاتٌ جميلاتٌ

على متنِ الطيّارةْ

يجلنَّ بينَ ركابٍ

ملائكةٌ

توزعنَّ ألتباريك على الركابِ والمارّةْ

جلستُ على الكرسيِّ وقربي

البنتُ محتارةْ

سلامي طائرٌ حرٌّ  إلى أهدابِها الحلوةْ

وتخفي النظرةَ الخجلةْ

إلى أسفلْ

واللهِ! ما كانتِ البنتُ

مختارةْ

وافق صاحب المطعم عليه ، وبدأ سعيد بالغناء للجماهير المشغولة بالطعام، الكل منهمك في صحنه ويتجاهلون مغنّيا يشدو، شعر سعيد بفقدان شيء عزيز على نفسه فأصدقاؤه وقطعان الأغنام والحمير في القرية كانوا يصغون له أفضل، تذكّر في تلك اللحظة قريته وأهل قريته وآداب حديثهم فالناس عندهم لا يقاطعون المتكلم وإن غنى أحدهم يصفق له الجميع أما هنا المجاملات على الوجوه والنوايا مختبئة في قفص كوحش يستعد للانقضاض، في تلك اللحظة أوقف سعيد أغنيته وغنى أخرى:

ما أنا بفاعلٍ بينَ حفنةِ أغنياءْ!

وجوههمْ

أقنعةٌ مزيفةْ

رغباتٌ كالوحشِ في القفصِ مختبئةْ

آمالهمْ

كنجمةٍ في سماءِ المدنِ تعرّقتْ

خجلاً من أضواءِ أعمدةِ الرصيفْ

وأنا نجمٌ

سماءُ القريةِ تحضنهُ

أقولُ حقّاً على عفويتي

ما أنا بفاعلٍ بينَ حفنةِ أغنياءْ!

اختفتْ في زيفٍ عقدتُهمْ

على الشفاهِ تراقصتْ

مجاملاتهمْ

كالثمارِ التي لأولِ سيّارٍ

تسقطُ

تلبّدتْ بالغبارِ سماؤهمْ

فلبسوا  الدولارَ شمساً

قبعةٌ من الغباءِ فاعترتْ رؤوسهمْ

ما أنا بفاعلٍ بينَ حفنةِ أغنياءْ!

وعلى الفور رشقه الجمهور بالملاعق والأشواك وأمسك به حرس المطعم ورموه خارجا بعد أن أبرحوه ضربا.

استجمع سعيد قواه وحنّ إلى أيام قريته وقتما كان كنجمة القطب بين أصدقائه يلمعُ، كان صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، وأجملهم حديثا، تعجب من تبدّله فهو يشرد كثيرا وما من احد يسمعه حين يتكلم بدا كنجمة المدينة تخنقه أضواء الرصيف.

سعل سعلة شديدة وكأنه نثر عدساً على كفة الميزان، اتجه إلى بيت قريب له لينام عنده، وقريبه من الشخصيات الغبية التي تحب أن تتذاكى وسعيد ضيف مجبر على هز رأسه، وإن أخطأ بحقه فعليه بالإيجاب، صار يسمي سعيدا بتسميات ويضحك على شكله وأعماله وحين يتكلم سعيد يقاطعه ألف مرة ويسكته ، حين تكون ضيفا تفقد شخصيتك رويدا رويدا ، وأبسط كلمة تجرحك، وحين يحكي الضيف نكتة سخيفة عليك بالضحك مجبراً حتى لو لم يرد عليك، وإن عبس في وجهك فعليك بالضحك،  ملّ سعيد من هذا الحال السيئ وقلة المال والحيلة، ومن قميصه الوحيد الذي يغسله في الليل بيديه وفي الصباح ينشف فيلبسه، تساءل يا كاتب الأقدار أيعاكسني القدر ، ماذا فعلتُ ؟..أتراها ضاقت علي وحدي وكل من توظّف كان عجوزا يا ترى بماذا أذنبتُ وماذا فعلتُ حتى ضاق الطريق فيّ كالمشنقة.

لم يصدق أن يأتي الصباح ليغادر منزل هذا العجوز والمضيف الثقيل، وليبحث عن عمل ، بحث  عن عمل في الإذاعة وحفلات الأعراس والمطاعم ولم يجد، أدمى الحذاء كعب قدمه فكسره وجعل منه خفاً ، وأنزل البنطال للأسفل كي يخبئ الحذاء، في صباح حار من صباحات تموز، ركب سعيد القطار وغادر إلى مدينة ثانية ، أخرج صور العائلة وتأمل وجههم وتذكّر أمه وقريته وبدأت الدموع تعتلي مكانها على وجنتيه ، حدّق في هذا السفر الطويل والدرب الشائك وفي حقيبته الصغيرة التي بيده، صار يكرهها ويكره شكلها، بدأت ثقته بنفسه تضعف، تذكر أمه ووعده أن لا يعانقها أو يسمع صوتها إلا وهو شخصية كبيرة ذا مال وجاه، آه من الماضي والحاضر والمستقبل حين يولدان من رحم واحد ويكونون أصدقاء في رحلة واحدة يمشون سوية، لنَ تبقَ عارياً في الصباح سيلبسك الظلام يا سعيد، غنّى مع نفسه توقف القطار في المحطة ، وبدأت جموع الناس تتزاحم لتخرج بسرعة فهذا الذي يصدم وذاك الذي لا يصدق إخراج لفافة تبغ ليدخنها، استغرب من منظرهم علامَ يستعجلون؟!..سيصلون يوماً.

 في هذه المدينة الناس يقدرون الغرباء ويفضلون الغريب على القريب ، فللأجانب مكانة عالية جدا، لاحظ الناس التي تعتبر من يلبس طقماً رسمياً  شخصية هامة، تفكيرهم محدود وعيون أناسها تبحث عن الكرسي، رانت باصات المدينة التي سمّاها سعيد بحافلات العبيد، فحين تنظر إلى تكدسهم وهم ينظرون إلى الأسياد ويمسكون بالقضيب الفولاذي كي لا يسقطوا، ينظرون من وراء الزجاج بعينني  تحملين ألوان الأسى، كأن عيونهم ميزانٌ يحكي عدالة الكون، آه من باصات العبيد!.

كان مرهقا من السفر نظر حوله وفكر أن يرتاح ولكنه أراد الوصول إلى الإذاعة بأسرع وقت ، انتظر مقابلة المدير وبقي يترقب لساعتين ومن ثم سمحوا له بالمقابلة، شكر الله ودلف إلى المدير، سلم عليه وغنّى له ، أعجب المدير بصوته وبطبقاته ولكنه لم يوافق على طلبه فما من شواغر، فعدد الموظفين كامل وأخبره إن كان مضطرا إلى العمل سيتكلم مع صديقه الذي يملك مصنع بوشار، صُدم سعيد فقد جاء إلى المدينة ليصبح مطرب إذاعة لا بياع بوشار ولكنه مضطر والإنسان يتقدم درجة درجة ، وافق على العمل وأرسله المدير إلى صاحب المعمل.

وافق مدير المعمل عليه كونه يملك شكلا جميلا وقواما جيداً، وسلمه آلة لصنع البوشار وعين له مكانا يكتظ بالعامة ليبيع فيه، كما عيّن له فتاة مساعدة له اسمها ليلى حسناء تجذب الزبن في هذه المدينة الغبية التي ينجذب الرجال  فيها كالمغناطيس إلى النساء.

عمل سعيد والزبن تقترب  منه لتتسلى بالكلام والضحك عليه ، أما هو مجبر على  الابتسامة لمن يجرح قلبه ، كان ينادي بصوت خجول وضعيف: بوشار بوشار..

كانت مساعدته بالكاد تسمعه قالت له صارخة:

-لماذا تخجل ؟!..أطلق صوتك عاليا.

في تلك اللحظة غنّى بملء حنجرته وكأنه طائر خرج من قفصه:

ما كان ينقصك سوى  شعلة  حتى تصير حريقَ الكمالِ

بوشارٌ بوشار

ويخفي ليلنا الأسرار

تعالوا أيها الصغار

واشتروا من عنديَ البوشار

ستذكرونني حين تملكون القرار

وتنشدوا قد ضاقت في وجهه الأقدارْ

بالونكم يسبح من غير جناح

ليتني  بالون في هذا الفضاء .

استغربت ليلى  من صوته الأثر : ياه أنت تملك صوتا أخّاذا جميلا، ستعلمني الغناء فإن صوتي جميل يحتاج إلى تدريب ، أرجوك علمني فأنا أبحث عن شخص مثلك منذ زمن.

لم يجبها سعيد بشيء، فما يعتريه من ألم  لا يدفعه إلى التفكير بشيء، بدأت الفتاة تلبس لباسا تغري سعيداً به وتتغنج وتقترب منه، وتدعي حبها له، فلحَ كيدها في سقوط سعيد بهواها فما كان ينقصه إلا الحب ليصبح جرحاً كاملاً.

لقّنها سعيد الغناء، ومضى وقت وأصبح صوتها من أشد الأصوات مرونة وأعلى الطبقات قوة ، صارت تغني وسعيد جالس في مكانه لم تعد تهتم به، وعندما يريد الغناء توقفه وتغني بدلا منه، ما عادت تمدح صوته ولا حتى تثني عليه، ومرّة صدفها رجل وأعطاها بطاقة عمله فسألها سعيد عنه أجابته يريد كمية من البوشار لنوصلها لمنزله.

بدا حبها يسري في شرايين سعيد كالنيكوتين،  تعلق بها كثيرا ومرّ يومان ولم تأتِ ليلى إلى العمل تساءل سعيد أين غابت؟! ، لم يعلم أحد عن  سبب غيابها وإلى أين فرّت فقد تركت بيتها، وتركت العمل دون  إبداء سبب ودون أن تقول لسعيد وداعاً، طارح  سعيد الغرام مع حزنه فها هو أمل أخر  تفترسه السماء فماذا ستفعل؟!..

بدأ عمله بالتدهور ومبيعاته أيضا ، صار منظره بائساً كالمشردين ، والحزن على عينيه ما عاد يمحى، فطرده مدير المعمل من العمل.

بقي سعيد بدون عمل فمن أين يقتات وأين سيسكن، فقد براءته القروية وأصبح لا يثق بأي شخص كان،  تسكع في الزقاق وأسند رأسه على حائط مرحاض قديم وقرر أن يبيع ألحانه إلى ملحن مشهور بمقابل مادي وان تذهب الحقوق الفكرية له،  باع أغانيه وسمعها في الراديو  ولكن اسم الملحن مختلف ،  أمسى كأب باع أولاده في البازار، مضت أشهر وسعيد يصرف نقوده على الحانات حتى أفلس ، اقترب من فندق تذكر فيه أن شابا صار يلحقه ليأخذه لبيت الدعارة ، وصل للشاب وأخذه إلى عاهرة ، فربما حضن مومس تنسيه آلامه، دفع النقود وجلس في الغرفة ينتظر قدومها ، ها هي من بعيد ترنو ، فتحت الباب وفتحت لسعيد أبواب الشجون،  عيناها بدأتا تدمعا ولكنها شبه عارية، حدق في الفتاة تذكر انه كان يتمنى أن يرى تفاصيل جسدها الأنثوي، ولكن ليس بهذه الطريقة، نظر إليها وهي تبكي وهي مجبرة على البقاء فلم تعد علياء الفتاة القروية التي تصدّ الشبان هي الآن مجبرة على الجلوس  مع الزبن الذين يفكرون بجسدها لا بوجهها الجميل، اقتربت منه لتغريه،  ودموع سعيد  تفرش بساطها على غيمة وجهه، ركض وخرج من الغرفة وعلياء تناديه بصوت عالٍ:

-الحياة يا سعيد كرة مدببة من الدبابيس تسكن قلبنا، لحاف أبيض تحته الأشواك تقبع، سامحني..

فرّ سعيد من عندها وهو لا يستطيع الغناء فكّر هل بينه وبين الليل كل هذه الأسرار والصور..

وقف عند شاطئ البحر تأمل مركبا يعوم في الليل بسراجه الخافت، نظر للبحر فانعكست صورته رمى حجرا إلى القاع فظهر القمر ففر منه، اتخذ قراره بالسرقة، وقف في حي منعزل  وبدأ ينتظر أحد المارة ، دنا منه شخص تبدو عليه علامات الغنى أخرج سكينه ووضعه حول رقبته مطالبا إياه بما بحوزته..

سقط الرجل على الأرض وبدأ يخرج النقود وصوت النقود يصدر لحنا قاسيا فقد كان معظمها قطعا معدنية ،  حاول الرجل إبعاد سعيد بالهرب منه فطعنه سعيد جرحا بليغا كردة فعل دون قصد، توقفت أنفاس الرجل وهو يلهث قال له: أيها الوغد منذ سنة وأنا أجمع المال لأشتري لزوجتي ثلاجة  لقد سرقت حلمنا وحلم أولادي لعنك الله..ثم غاب عن الوعي..

ركض سعيد وهو يبكي، لم يستطع حينها الغناء هناك حرقة تمنعه، أصبح وجه الرجل صورة ثابتة في مخيلته، جلس على الرصيف وانتظر حافلة قريته، ركب الحافلة وهو محطم، كان ينظر إلى أسفل كي لا يرى أحدا من معارفه، صار ينظر من النافذة ويفكر بما سيقوله لأمه عن المدينة وهل سيحكي لها عن جريمته التي ارتكبها، قطع سلسة أفكاره صورة إعلان معلق في الطريق "حفلة غنائية للفنانة ليلى في دار الأوبرا الليلة"، ابتسم ساخراً وضحك بصوت عالي حتى دمعت عيناه، حسبه الركابُ مختلا عقلياً، وصل لقريته وصورها تبدلت أمام ناظريه حسب نفسه غريباً، لم  يعرفه أهل القرية، تبدلت ملامحه كثيرا واختفت من عينيه البريق، سأل أحد المارة عن أمه، أجابه إنها  توفيت إبان رحيله بعد أن أكلت الذئاب قطيع أغنامهم وبعد استيلاء جيرانه على أرضهم، وقف أمام منزله وصورة أمه تغطي كل ركن منه، صرخ أمي..ردد الحائط الجواب.. 

وقف كعاشق يحج إلى مكان حبه الأول ومتهم يزور مكان جريمته، مشى في ذلك اليوم المتعب وهو يردد لو لم تكن القرية قمرا خجولا لما أحرقتنا شمس المدينة..متعب يا أمي هذا المساء..

وصل إلى قبر أمه أراد أن يغني هناك الحياة حلوة  لم يستطع، وقف  عند الضريح تكلم مع نفسه ..ثم صمت واعتلى قمة جبل وغنى هناك أغنيته الخالدة ..

 

أبو ظبي-العين-بورصة –استانبول 28 آذار إلى 27 حزيران  انتهت بعون الله في 13 تشرين الأول أبو ظبي حديقة شارع حمدان

 

 

عن مجلة عود الند العدد 64 http://www.oudnad.net/spip.php?article202&lang=ar

 

 


2/10/2011 , 09:35 PM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

أسرار الغناء 1

تبرعمتِ الأغصان وأولدتِ الأزهار في بشارة لطيف الربيع القادم، وسعيدٌ يصيد الأسماك على شاطئ البحر، يغني أغانيه الشجية التي تعلمها من عزف الطيور على الجبال كقوس كمان ومن البحر الذي ترتع الأسماك فيه فيبدو البحر كآلة القانون، ومن حفيف الأشجار حين يداعبها النسيم فترنو قيثارة خلّابة، يغني للأسماك ثمَّ يصيدها، سعيد متوسط طول القامة ووقور المحيّا كقدِّ شجر الصفصاف له وجه تبدو عليه ألحانُ السنين، وعينان تحملان زرقة السماء وعمق البحر، يبلغ من العمر الربع قرن، حلم أن يدرس الموسيقى في إحدى المدن إلا أنَّ وضعه المادي لم يسمح له بالسفر خارج القرية، فاقتات من مهنة الصيد معزيّاً نفسه بالغناء للأسماك والأغنام التي تجترُّ الأعشاب ولأصدقائه المقربين، كانوا ينصتون له بوقار ويصفقون بحرارة وبعضهم يمسح الأمطار عن وجهه التي يولدها جحيم الإنسان.

يستمع إلى الإذاعة لأصوات لا تستحق حتى استراق السمع إليها وينزوي مع نفسه تحت أضواء النجوم ويحدّق في القمر ناسياً كل نجمة في السماء، يتخيل نفسه يعزف الفلوت على سطح القمر وموسيقاه تتزحلق مع الضوء.

يتذكر أباه الذي كان يحمل صوتاً آثراً ولكنه لم يحقق أية شهرة وبقي في إطار القرية حتى إنه مات وأهل القرية يضحكون ويسخرون من أغانيه فقد جنَّ قبيل رحيله وأمسى يتكلم مع الخراف والجبال، في تلك الليلة غنّى سعيد أناشيداً لفضائه الواسع ولأسماكه، لم يعرف السّر الذي يدفعه إلى الغناء، فشدا للبحر:

آهٍ أيا بحرُ!

تخبئ اللآلئ وبعض وجهِ القمرْ

تروي الحكايا تلصقُ الصورْ

آهٍ يا أسماكْ

مسروقةٌ أقداري واللصُّ ملاكْ

أنشد البحر معه، والعباب مطربٌ صامتٌ غناؤه عميق، والخراف غنتْ معه بتوزيعها الموسيقي وبشكلها الطربي، رجع سعيدٌ إلى المنزل بعد أن اتخذ قراراً بالسفر إلى المدينة، فربّما يحقق ما يبتغيه قد سمع أن الكثير من مطربي المدن حققوا شهرة واسعة وكانوا أبناء ريف، وضّبَ الحقائب وبعضاً من دمع أمّه وكلامها التي تعاتبه وتذكره بوالده وتقول له:

كنْ راعٍ للغنم ولا تكْ مغنياً، كنْ أي شيء ولا تسلك هذا الطريق، تذكّر أباك.

لم يسمعْ منها وانطلق إلى محطة الباصات، وقف في انتظار الباص وأهل القرية ينصحونه بعدم الذهاب، أحدهم يقول ستبقى أمك وحيدة مَنْ سيرعاها فيجيبهُ سعيد: سأرسل لها النقود وما تحتاجه في هذا الزمن المال.

والأخر يقول له: ستبيع أمك الأرض الصغيرة وسيموت القطيع دون رعاية لتغطي مصارفيك، يا لك من ولد عاق..ثم يبصقُ ((تفوووووو))على علبة التبغ التي بيده ويبلل سيجارته كي تطول مدة تدخينها .

جاءت الحافلة كسيارة الإسعاف بالنسبة لسعيد، فلم يصدق أن يتخلص من الأشخاص الفضوليين، صعد الحافلة وهو يحلم ببنات المدينة، جلس بقربه عجوز تصدر منه رائحة الغنم، لم ييتوقف عن الحلم فكّر بكيفية تحقيقه الشهرة ولمعان اسمه في سماء المدينة، وشرائه قصراً كبيراً من الحرس والخدم و زيارته لبيت علياء تلك الفتاة التي أحبها وأحبته ولكنها تعرّفت على أحد زبائن سعيد الأغنياء وعرضت نفسها عليه ثم تزوجها ورحلا إلى المدينة، تذكّر في تلك اللحظة ساعة الخيانة وما تولده من جحيم في سراب الأفكار، غنى في تلك الدقيقة دون أن يعرف السر الذي يدفع للغناء فما هو السر الذي جعله يغني:

علياءُ يا نجمةً في الأفقِ تلمعْ

تدلّهتْ بالشمس فإنطفأتْ

اسمعي أنشودتي

سيّارةٌ مغلقةٌ والصوتُ خانقْ

أمّا أنا

فضائيَ واسعٌ والصوتُ رائعْ

استيقظ العجوز على صوت سعيد وعيناه جحظتا:

-من هذه علياء؟..

فكر سعيد والرعب يسري بجسده، ربما اسم بنت العجوز علياء.

-علياء يا عمي، في هذه الأغنية كتبها شاعر من بلاد القلوب الجريحة اسمه نوزاد ولا اعرف إن قصد بها علياء من قريتنا أم من قريته.

-آها!..ترى قريبة من ضيعتنا أم بعيدة؟!..

-هي بعيدة جدا، خلف الجبال البعيدة تقع، ربما قرب تركيا أو لا اعرف أين؟!..

-ها تفووووو (يبصق على سيجارته).

-غني لنا أغنية من الفولكلور والتراث..

-سأنام يا عمي ربما حين استيقظ.

حدّق سعيد بالطريق وبالجبال التي يتركها وبالطبيعة التي يغادرها، تذكّر أصدقاءه حينما كان دليلهم وعرابهم، كان مرشداً كالجبل الذي في قريته يدل كل ضائع إلى هداه، فرض شخصيته بكلامه الموزون وشجاعته.

طالتِ المسافة فجهل الطريق يضني، حين نعرف الدرب لا تطول المسافة، وصلت الحافلة إلى مدخل المدينة وسعيد مستغرب من أغاني المدينة الصاخبة ومن استعجال الناس وتأهبهم للنزول.

نزل وهو ينظر حوله يحرك رقبته بحركة دائرية كالمدور، ازدحام وأصوات عالية، أحدهم  يركض و الآخرون يلعبون كرة قدم في الشارع، والبعض يطارد الفتيات، الأمور غريبة في المدينة، لا نجمة ترنو والمساء يستر جسد المدينة العاري، تساءل: ماذا ستفعل يا سعيد هنا؟!..

ركب سعيد حافلة نقل داخلي، وهو يضع يده على محفظته فقد سمع بلصوص المدن، نزل في منطقة الفنادق في المدينة وهو ينشد مع نفسه:

كبيرٌ رصيفُ المدينة

بناءٌ سحاباً يناطحْ

كبيرةٌ أيتها المدينة

زوابعٌ ترفعُ الغبارَ

ضياعٌ بين أبنية عالية

تورّمتْ الأقدام بينَ حذاءٍ يبحثُ عن مكانْ

سأل فنادق كثيرة إلا أن أجرها باهظ وسعيد يملك نقوداً قليلة، لحق أحد الشبان بسعيد وهو يقول له أتريد فندقاً مع فتاة بأجر معقول تعال معي لدينا فتيات أوربيات ستستمتع الليلة، أبعده سعيد وتخلص منه، ولجَ حديقة وغفا على الكرسي، دمعتْ عيناه حينَ تذكر الأمان في قريته وعند أمه وبين أغنامه، فمع كل هزّة ريح يستيقظ وعند صوت خطوات سكير يرتجف، خلد إلى النوم جراء تعبه، استيقظ صباحاً وهو يتأمل البحر الواسع المسمى بالمدينة ولكن دون أن يكون له هدير جميل، فلم يستيقظ على صوت العصافير ولا على سيمفونية أغنامه، دقّ مضجعَ صحوته صوت خطوات المارة وهم يتأملونه بغرابة، شعر أنه يفقد شيئاً بدأ يتحدث مع نفسه:

كغيمةٍ شاردةٍ توقفتِ المسافةْ

في تراكم سحابات الأماني

شردتُ أمام الشمس سؤالاً

جرّني امتحانا

تكاثرت حفناتُ الأغاني أرصدة سهاماً

أمام فضاءٍ أصم

جيوب خاوية وفتات الطعام تسلبني الهناء

 


2/10/2011 , 09:30 PM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

لعنة البريد الإلكتروني

 

متطفلٌ ولم يغير من طباعه، هكذا نشأ يحرجُ الناس بأسئلتهِ الفضولية،كأنه من فصيلة الطفيليات يقتاتُ من فتاتِ الآخرين وأسرارهم، فأول استفساراته للنساء عن أعمارهنّ وللمطلقاتِ عن سبب طلاقهنّ وللكتّاب عن أول خطأ إملائي أو قواعدي يصادفهُ.

منذ صغرهِ يحبُّ كشف أشياءٍ تأبى الظهور فكأنه حصّادة تعري الأرض بكشفِ أسرارها، ومرآة تبرز تجاعيد الوجه وأعذاره.

فهو طويل القامة ونحيل الجسم وله أنف طويل كمنقار نقار الخشبِ وشفاه رقيقة وأسنان تباعدت عن بعضها ورفضتِ الوحدة ، وشعر أحمر مجعّد كما تعتلي وجهه ندبة تبدو ككيس بلاستيكي معلقٍ على شريط كهرباء  .

في خضم الثورة التقنية اقتنى فاروق حاسوباً واشترك بخدمة الشبكة العنكبوتية، وأول ما فعله اقتنى وحضّر برامج تطفلٍ على البريد الإلكتروني للآخرين وتعلم طرقاً لسرقة واقتحام بريد الناس، نبّش وسبر بريد الكثيرين ووصل إلى مبتغاه والساعة تدقّ اثنتي عشر دقة صباحاً ويوم يكتب شاهدة قبره ويوم يخط شهادة ميلاده، وهذا البريد الذي توصل إليه فيه الكثير من الصور والرسائل الشخصية التي تشبع فضول فاروق وحفر في لجّة البريد، فرأى صور نساءٍ عاريات وصور عائلات .

الغرفة هادئة  وباردة جدا والرياح تعصف فتهتز النوافذ، والستائر تتموج كأنها نساء تتراقصن، وفاروق حرارته عالية فقد اكتشف في البريد المقتحم صورة امرأة ترقص وأخرى في حضن زوجها والأخرى تغتصب من قبل رجلٍ.

فتّش عن اسم مالك البريد وعثر عليه اسمه مازن وبعد أن أشبع فضوله سمع صوتَ خطوات تسير في الممر فحسبه والده،، فأطفأ الأنوار وخلد إلى النوم .

رأى فاروق في حلمه امرأة لها شعر طويل أسود مسترسل داكن لا تبدو ملامح وجهها جيدا لكن عينيها بيضاوين دون أحداق ومن فمها مُسح أحمر الشفاهِ بطريقة عشوائية حتى غطى وجهها، ترتدي فستاناً قصيراً من الصوفِ والخيط يُسحب من ثوبها رويداً رويداً حتّى تظهر عارية تماماً، تقتربُ من فاروق وهي تزحفُ وتحاول خنقهِ وهي تصرخ بصوت كصوت المبرد على الأظافر قائلة: سأقتلك يا قاتلي!..

يهرب منها فاروق ويفكر أين رآها فوجهها مألوف، وعندما وضعتْ خيط الفستان على رقبته، استيقظ فاروق وهو يتنفس الصعداءَ وظلام دامسٌ يغطي وجهَ الغرفة، جلس على فراشه وهو يلتفت حوله وفجأة أُنير مصباح الغرفة وانطفأ، وهدوءٌ تامٌ يدق مضجعه مواء قطة هستيرية من الشارعِ.

ترك فاروق فراشه واقترب من النافذة وحدّق في الشارع المظلمِ، مشط الطريق بعينيه وما من ضوء يرنو وقبل أن يغلق النافذة رنا ضوء خافت وراء الشجرة وكتف أحدهم يظهر، ازداد الضوء توهجاً حتى ظهرتْ امرأة تلبس فستاناً من الصوفِ الأبيضِ تنظر إليه بعينيها الخاليتين من الأحداق وتقترب من شبّاكهِ وفاروق سيموت رهبةً وخوفاً..

تقترب المرأة من نافذته وتحاول الصعود للوصول إليه والشجرة تتعرى وتأفل أوراقها،في تلك اللحظة رجع فاروق خطوتين إلى الوراء و أوصد الشبّاك، ففُتِح الباب وانطبق مصدراً هديراً عالياً، حدّق فاروق  بالبابِ  ثمَّ التفتَ إلى الوراءِ فرأى المرأة تدنو منه وهو يصرخ وصوته مختنقٌ ويداه تجمدتا، اقتربتْ منه ثم اختفتْ..

هرعَ فاروق إلى والده وهو يصرخ ويلهثُ :

-أبي أبي ..

-ما بكَ يا بني؟!..أراك أصفر الوجهِ والعرق على وجهك اتخذ ملاذا!.

- إني أرى فتاة في حلمي تحاول خنقي فاستيقظت ومازالت تتبعني .

-لا تخفْ يا بني، إنه حلم وكابوس مزعج ولستَ صغيرا حتى تخاف.

- لا يا أبي، ليس كابوساً إنها حقيقة .

- حسناً!..دعْ النور مضيئاً ونمْ.. تصبح على خير يا فاروق!.

فاروق من هذا فاروق أنا اسمي مازن وليس فاروق..

جلس فاروق وبدأ يفكر بالمرأة التي رآها فما قصتها؟..من تكون يا ترى ؟!..قلب الأمر في ذهنه وتذكر إنه رآها في البريد الذي اخترقه ثمَّ استسلم إلى النومِ..

جاء الصباح وأطفأ الرعب ليكتب نعوة الليل، حاولتْ الأم إيقاظ فاروق وهي تناديه :

-فاروق..قمْ واذهب إلى الجامعة قد تأخرتْ.

وفاروق في فراشه لا يتحرك مستاء من هذا الاسم، من فاروق أنا اسمي مازن قال في نفسهِ.

صرختْ الأم وبدأت تركله، فاستيقظ فاروق وصرخ في وجه أمه :

-أمي اسمي مازن وليس فاروق .

لم تستغرب الأم من جوابه فحسبته قد اتخذ اسم أحد مطربي البوب أو أحد المشاهير.

لبس لباسه بسرعة وانطلق إلى الجامعة دون أن يفطر، صاح به زملاؤه  وفاروق لا يرد عليهم، جلس في المحاضرة  يستمع إلى الدكتورة وهي تشرح الدرس، فبانتْ المرأة التي رآها في الحلم تقبع وراء الدكتورة بيدها سكين وربطة شعرها تسقط على الأرض ثمّ يتدلى شعرها على كتفيها حتى يغطي وجهها وتقترب منه وهي تصعد الدرج، اقتربت منه كثيرا حتى دوت صرخة فاروق وتوقف الدرس.

الدكتورة صرخت باسم فاروق وفاروق في دنيا أخرى  :

-فاروق ...فاروق تعال إلى هنا .

-فاروق من فاروق!.. اسمي مازن يا دكتورة .

ضحك الطلاب وبدؤوا يسخرون منه، فغضبت الدكتورة وطردته من المحاضرة، خرج مسرعاً وقرر العودة إلى المنزل، خاف من الطريق وبدا حذرا من كل شيء.

عند وصوله إلى البيت جلس أمام الحاسوب وفتّش مرة أخرى في البريد الإلكتروني الذي اقتحمه ووجد صورة المرأة وكانت صورتها عارية تماما، حدّق في وجهها رآها تتحرك أمامه وتقترب من شاشة الحاسب حتى غطى وجهها الحاسوب رويداً رويداً ونقطة من الدماء تكبر  مع وجهها حتى ملأتْ الشاشة، وعيناها الكبيرتان تسيل منهما الدماء، سحب فاروق مأخذ الكهرباء وخرج من الغرفة، كاد أن يبلل سرواله فاتجه إلى المرحاض، وهو يتبول شعر بيد تربت على كتفه، نظر وراءه فتبول على ثيابه .

ساءتْ خلق فاروق لدرجة لا تحتمل فقد أمسى عصبي المزاج، يغضب لأهون الأسباب، يتعارك مع المارة، واشترى سكيناً عند لزوم العراكِ، استغرب من منظره حينما وقف أمام المرآة، فقد أمسى قصير القامة وعريض المنكبين وشعره أصبح أسودا ونبتَ في وجهه شاربين كثيفين والندبة على وجهه قد شفيتْ، ثم ترك الدراسة وأهله محتارون في أمره، فلم يتركوا طبيباً نفسياً إلا وأخذوه إليه ولم يكشف أحد حالته النفسية.

أخذته أمه إلى بعض السحرة ظناً منهم على أنه مسحورٌ، فسلب منها السحرة أموالاً طائلة مقابل طلاسم غير مفهومة كما لم يفهموها أنفسهم ، تكتب على الورق لا تكلف إلا حبراً على ورق .

أما والده بدأ بقراءة كتب السحر وتحضير الجان وما من فائدة، فالمرأة لا تترك فاروق، وتظهر له في أحلامه وواقعه.

ازدادت عقد فاروق فغدا يصرخ في وجه من يناديه باسم فاروق ويفرح لمن يناديه بمازن، بحثوا في المنزل عن هوية فاروق وملفات تثبت شخصيته ولم يجدوا، فقد اختفى كل دليل يثبت اسمه .

في انتصاف الليل يتوقف الأمل عن الظهور لذا يخلد الناس إلى النوم، أما فاروق ففرّ من المنزل وبدأ بالسير في الشارع، مرّ بالقرب من بيتٍ قديمٍ وبحث عن المفتاح ووجده تحت ظل شجرة في باحة المنزل، دخل ذاك البيت ورائحة نتنة تفوح منه كرائحة قطة ميتة، جلس فيه وهو يعرف كل غرض أين يكمن في البيت، اتخذ منه ملاذاً، اتجه إلى الحمام وبدأ يستحم بالماء اللافح أمام مرآة قديمة في الحمام، البخار يغطي وجه المرآة وفاروق يسمح البخار بيديه فتتضح صورة المرأة العارية في المرآة بعينيها الكبيرتين وتقترب منه، فخرج فاروق عارياً من الحمام، وعندما خرج انقطعت الكهرباء وصوت خطوات أقدام تتعالى، وضوء خافت يرنو دقق فيه فشاهد المرأة عارية تماما لا يستر جسمها أي شيء، تقف وراءه تارة وأمامه حيناً ثم تسقط على الأرض جثة هامدة وخلفها يقبع شاب بيده السكين ومن السكين تنزف الدماء .

دقق في الفتاة هي نفسها الفتاة الموجودة صورتها في البريد الإلكتروني، أغمي على فاروق هنيهة ثم استيقظ والعرق يسيل على جبينه كما يسيل البول على بلاط المرحاض الأبيض، اتجه إلى غرفة أخرى فيها حاسوب وفتح البريد الإلكتروني وحدق في صور الناس الموجودين فيه فسمع صوتاً ضعيفاً أنثوياً يناديه من النافذة : مازن سأقتلك يا مازن! .

نظر إلى النافذة فوجد الستائر تتراقص، نظر خلفه فوجد الفتاة تتعرى تدريجياً وتحمل سكيناً والدماء من عينيها تسيل بغزارة  وهي تصرخ : يا قاتلي ..يا قاتلي!.

انقض فاروق سريعاً على مقبض الباب فاصطدم بشخص سأله وهو يرجف :

-من أنت؟..

-أنا أنت.

فرّ منه فاروق والأصوات تلاحقه : مازن أيها القاتل .

ووصل فاروق إلى سطح المنزل والكهرباء مازلت منقطعة وهو مستغرب كيف عمل الحاسوب دون كهرباء؟!، وقف تحت حبل الغسيل نظر فوقه فرأى فساتين نساء تتدلى على الحبل و نساء يدخلنّ في الفساتين ويخرجنّ.

ثمَّ رأى فتاة صغيرة تنشر لباسها الأبيض على حبل الغسيل وهي تتابع حركة فاروق وفزعه من فمها الكبير جدا وصوت بكائها الذي يثقب السمع، اختفت الفتاة وبقي ثوبها يهتز من على حبل الغسيل ثم ظهرت بقعة صغيرة على الثوب وبدأت تكبر حتى صار لون الثوب أحمراً قانياً، وضحكات النساء تتعالى على السطح تكاد تفقده سمعه وبخار كثيف يغطي المكان .

دخل إلى الغرفة ووضع شريطا في المسجلة، والشريط  يدور بهدوء دون أي صوت حتى ملّ فاروق وقبل أن يشرع على إطفائه سمع صوتا خافتا من الشريط (سأقتلك يا قاتلي ) والصوت يعلو تدريجيا ومزيج من ضحكات وسخريات النساء والعويل والبكاء، وصراخ فتاة صغيرة تبكي بكاء نزقاً يكاد يثقب السمع وصرخات امرأة يتلاشى ويعلو، أخرج الشريط بسرعة فلمستْ يديه يدٌ باردة صغيرة، نظر إليها وإذ هي تلك الفتاة الصغيرة التي رآها على السطح، هرب مسرعاً.

استغرب فاروق كيف تعمل المسجلة بدون كهرباء ثم جرب إشعال التلفاز كل شيء يعمل إلا الأنوار فشاهد النشرة الجوية، ومن غيمة بيضاء في التلفاز خرج وجه المرأة حتى أخذت مكان المذيعة ثم اقتربت من الشاشة ولباسها الصوفي يسحب منه الخيط رويداً رويداً ثم أمست عارية والدماء تنزل من عضوها التناسلي.

أطفأ التلفاز ودخل الغرفة التي يكمن فيها الحاسوب، دخل إلى البريد الإلكتروني وشاهد الصور، فظهر له صورة الفتاة الصغيرة وهي تمسك بيد شخص لا تبدو ملامحه وتختفي في تلاشٍ  في الضباب.

خرج فاروق في تلك الليلة إلى الشارع يفكر بالصور والأخيلة التي تتحرك أمامه وترهبه تلك المناظر..

مضى قدماً واصطدم بأحد المارة الذي تعارك معه، فأخرج فاروق سكيناً وطعنه، لم يستطع الهروب فقبضتْ عليه الشرطة وطلبوا منه بطاقته الشخصية فلم يجدوها معه وسألوه عن اسمه فقال:

-اسمي مازن .

بحثت في منزله عن شيء يثبت شخصيته فم يجدوا وحين حضور أهله تبرى منهم، دققت الشرطة في سجلات الاسم الذي أعطاهم إياه فاروق، ووجدوا اسم مازن في سجلات الشرطة لكن مازن كان مجرماً ومغتصباً للفتيات ومشهّراً لهنّ فقد قتلتْ إحدى الفتيات بسببه لأنه لصق صورة وجهها على صورة امرأة عارية ونشرها عبر الشبكة العنكبوتية و لكن المجرم مازن قد أعدم من ثلاث سنوات خلتْ وصورته موجودة في سجلات الشرطة على حبل المشنقة .

حاولت الشرطة معرفة اسم فاروق الحقيقي مراراً وجربوا شتى الوسائل لمعرفة اسمه وجوابه لا يتغير : اسمي مازن، زجّوه في السجن بتهمة طعن شخص ومازال يقبع هناك بانتظار محاكمته الفاصلة .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

2-7-2010 انقرة تركيا 


6/9/2011 , 08:21 PM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

ملحُ البحرِ 2

صرخ الشرطي في وجهه:

-اخرس..أنت كاذب، من هي الفتاة التي قتلتها وكيف قتلتها؟!، وهل يرجع الأموات إلى الحياة، وكيف قتلت العجوز؟!...

-لا أكذب وأنا أتكلم الحق، ربما أصابني مس لكني واعٍ بما يجري حولي وأنا أقول ما شاهدته؟..

-من أين أنت؟..

-من بلاد الله الواسعة.

-ما جنسيتك؟..

-بني آدم.

-ما ديانتك ؟..

-أعبد الله.

أمر الضابط الشرطي أن يكبلوه بالأصفاد ويأخذوه إلى السجن ثم يرحلونه إلى بلده، كان في تلك اللحظة سعيداً فالسجن لا يحتاج إلى إقامة ولا إلى جنسية والطعام مجانٍ والسرير أيضاً، ناهيك عن أن الليل طويل فيه، أخذه الشرطي وهو يغني بصوت آثر:

لنْ تبقَ عارياً في الظلام

سيلبسكَ الصباح

تنقصك شعلة لتصبح كمال الإحتراق

أيها المحترق من ملح البحر

يا بحّارة السفر

الريح مرساتك

 

العين الامارات  ١٢ ١٠ ٢٠١٠

 

عن مجلة عود الند العدد ٦٢

 


31/7/2011 , 09:38 PM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

ملحُ البحرِ

القمر كالمنارة ينير الدروب وخفر السواحل يجوبون البحر في ليلة يطلق سوادها رياحاً باردة، في وسط البحر قاربٌ راسٍ بادٍ من بعيد ينيره سراج خافت، اقترب خفر السواحل من القارب وصرخ أحدهم:حاصروا القارب وفتشوه.

كان على متن القارب شاب طويل الذقن، رث الثياب، داكن البشرة ومربوع القامة،كان كالبلوط قشرا من الخارج ولبّاً مرّاً من الداخل، ذا صوت خشن.

سأله أحد رجال الشرطة:

-ماذا تفعل هنا؟..

-أنا اتخذت من البحر وطناً، هو لا يحتاج إلى جنسية ولا إلى تأشيرة دخول ولا عادات عنده وما من تقاليد.

-اصمتْ!..تتفلسف يا مجنون؟!..

-أنا في وسط المسافة بين أوربا وآسيا، وحين تقف في الوسط تعرف جيدا أين تميل كفة الميزان، منذ شهور وأنا اعتلي هذا القارب وأعيش في هناء، قد هربت من الضياع وتشتت الحال، أجلب زادي من الجزر القريبة وأكتب الشعر هنا.

بعد أن فتّشتِ الشرطة القارب، وجدتْ فستاناً أبيضاً يتدلّى على حبل الغسيل، طلبت منه الاعتراف بما فعله بالفتاة صاحبة الفستان وما هي قصتها؟!، ولمَ وصل إلى هذا الحد من التصوف في البحر ربّما خلفه تقبع قصة جريمة كبيرة؟!.

أجابهم بكل صمت: ولدتُ في دار الأيتام في مجتمع يحيا القوي فيه، في مدينة قرب البحر في تركيا، قضيتُ أعوامي الأولى وأنا أطحن الحجارة بأسناني ، هل تدرك صعوبة ان تكون أسنانك لبنية وهي مجبرة على كسر الحجارة؟!..أحببتُ كتابة الشعر منذ صغري، فمنذ تعلمي الكتابة وأنا أكتب، وعندما بلغت الثامنة عشر ربيعاً طردتني دار الأيتام لأن القانون يقضي بذلك، فالتجأت الشوارع وأصبحت أنام في حضن الخرابات، وأضع رأسي على كتف الرصيف، أفتح اكياس القمامة لأتناول منها فتات ما تبقى من طعام الأغنياء.

أتأمل كل يوم السيارات والمطاعم الفخمة، وأسير بقربها كأني كلب ضال لا يستطيع التذوق، حين كنت صغيرا لم اكن اعلم أن العالم خارج دار الايتام بهذه القسوة، كلما نكبر يكبر معنا الشجن، ظنّنتُ أنه بإمكاني زيارة بلدان العالم قاطبة حينما اكبر ، يا لأسنان القدر الحادة!...

حين يكون المرء طفلاً يكون سعيداً حتى لو كان تعيساً ولم لم يمتلك أجنحة، لأننا لا نعي حينها ضباب السماء وبعد القمر وحرارة الشمس وعمق البحر.

عندما تنام بلا غطاء وتستيقظ على صوت أخف حركة تخاف من كل شيء من حولك، جرّبتُ أن أصيد الأسماك لكن البحر خائن وبخيل في وجهي، فهل ضاقت علي وحدي؟!..كل هذا أثر في نوعية ما اكتب فأصبحت نمطياً في نوعية كتاباتي، وجلّ ما فضّ عذرية صفحتي كان عن الفقر والتشرد وشظف العيش حتى توقفت المجلات عن النشر لي، قلمي يكتب بالفطرة عن الألم وملح البحر، كل جملة شعارها الفقر، لم أستطع الكتابة عن جمال البحر وعذوبته وإلتقاء العشاق عنده.

كلّما استمتع بالسماء الصافية وأتغزل بعيونها الزرقاء، تحسدني الأشجار والأزهار فتسود العلياء مطراً، لا تليق بي السعادة لذا قررت أن ألبس الحزن ليملّ منّي.

في مساء  كان يحمل بين جيوب حقيبته وجه القمر وسرير نجوم، وانا مبتل بالعرق بعد مشي مضنٍ لمسافة طويلة دون أن يكون هناك ارض أتلكأ عليها واستريح، تورّمت أقدامي وانا أسير، والأغنياء ينظرون إلي باشمئزاز، ربما يضعون نظارة شمسية في الليل، لمحتني مومس وظنتني شاباً مثيرا وجذاباً في السرير بسبب العرق المنساب من جبيني، لم تكْ تعلم أني لا املك سعر صندويشة فلافل، أو أجرة الباص، دعتني إليها وبعد أن أطعمتني واسترحتُ وأخذتْ ما كانت تبتغيه ، أعطتني بعض النقود، رويتُ لها قصتي وأنني أكتب الشعر عن الفقر ولا أستطيع الخروج عن هذا الثوب، نصحتني بالذهاب إلى زعيم المشردين الذي يعيش في أفخم خرابة في المدينة، استدليت عليه وزرته كان عجوزاً طاعناً في السن، شرحتُ له قصتي فقال لي:

-        قلْ لي بعض مما كتبتْ!..

-        أريدُ البحرَ مرسالَ الجمالِ    فما للملحِ أضناني وراءَ

-        لا تسلك الدرب الذي سلكته يا بني، ها انا ذا أقضي حياتي ولا أملك فلساً واحداً، أشحذ من الناس النقود، كتبت عن الفقر ولم استطع الكتابة عن الحب كنت اقول حين يدخل الفقر من ثقب الباب يخرج الحب مع ضوء النافذة الآفل، لم اتزوج ولم انجب أولاداً أيضاً، لم أرً جمال الحياة مطلقاً، اِكتبْ عن الحب فالناس الآن تريد الرومانسية وتبتغي شيئاً ينسيها ما تكابده من مشاق، ربما سيذكرني الجيل القادم ولكن إبان رحيلي، سأموت هنا على الطريق كأي قط مشرد ولن أجد أحدا يضع رأسه تحت تابوتي.

-        هل الفقر شحاذ يطوف على بيوتنا أليس لديه بيت؟!..أم إنه اتخذ من طريقي درباً، آهٍ يا زعيم المشردين والله قلبي بحر انردم!، كل يوم أمشي في الشوارع وأرى العراكات من أجل لقمة العيش والصراعات من أجل البقاء ، الفقر يأكلنا ويمحو كل شيء جميل.

-        ألا تجد في البحر سوى الملح ، ألا تجد في الحياة ما هو جميل ويستحق الكتابة عنه، اليس للبحر جمال الصورة وقت الغروب!.

-          البحر خائن مرة مدّ وأخرى جذر، ظلالنا ستكتب على سطحه فينسانا، ليس صديقاً وفيّاً يبدل من أمواجه، مزاجيٌّ مرة هائج وأخرى هادئ، يكذب على العين مرارا حين يقبل جبين السماء، يطهر الأسماك وهو الغدار العميق المخبئ للأسرار، أناني يعكس وجه القمر فيخدع الرائي لكنه يستمتع برؤية زرقته في بساط السماء، مخادع يغوي الغطّاس ثم يغرقه حين يكشف عن ربلته العارية، بخيل يخزن اللآلئ في العمق..

-          أنت تغرق في بحر الفقر يا صديقي، وقرطاسك لن يغني إلا لآلام ملحه، سافرْ إلى أوربا ربما هناك تجد الجمال فيتغير مسار قلمك، تبديل المكان ضروري وإن كان الوطن قمراً خجولاً ربما تدفئك شمس الغريب، ستجد هناك معلماً اسمه جون العجوز اذهبْ إليه وقابله وقلْ له إني لا ارَ في البحر إلا الملح، فهو شاعر مشهور بكتابته عن جمال الطبيعة والبحر وجمال النساء الذي يسري في عروق دفاتره.

كان المطر يطرق أبواب البذور، حين اتفقت مع أحد المهربين على السفر إلى أوربا لأنني لا أملك تأشيرة دخول نظامية، دلفنا سفنية لا تسع إلا لعشرين شخصاً بينما كنّا خمسين شخصاً، تمايل المركب وكدنا أن نغرق من العواصف الهائجة ومدَّ البحر بساطه طويلا، مرّة يشد قدمه وأخرى يرخيها، وصلنا إلى البر ثم تركَنا السمسار، مشيتُ على الشاطئ أمتاراً، لمحتُ فتاة تلبس فستاناً أبيضاً عليه طروز ونقوش جميلة، كانت حسناء طويلة القامة، ميّاسة القدّ، سمراء البشرة على خدها شامة تنجذب العين إليها على الفور، توقفتُ أمامها وهي تتحرك باتجاه الشرق أينما أذهب تطل شرقاً، كأنها زهرة عباد الشمس تقبل وجنة الشمس ثم رأيتها تتوارى رويداً رويداً..

ذهب كل منّا في طريق، تجولت في ربوع أوربا ورأيت هدوء الأماكن وكل منهمك بعمله لا أحد يتدخل بالآخر، أما أنا أبحث عن رغيف خبز فلم أجد شيئا آكله ولم ألمح القطط في الشوارع يبدو أن قططها متخمة، أشفق علي البعض وأطعموني

 إلى أن وصلت إلى عنوان المعلم جون العجوز.

دنوت من جون وسلمت عليه فقال لي فوراً :

-ما قصتك؟!..

-أيها المعلم العجوز، أنا شاعر دخل نمطاً معينا فلبسه وما عاد يخرج منه، لا أجد في البحر إلا ملحه.

-اتلُ علي بعض مما كتبت.

-البحر مقبرةُ اللآلئ مخزنُ الأسرار والصور.

-لمَ كل هذه السوداوية ؟..تستطيع أن تكتب:

غريبانِ على الشاطئ إلتقيا

تحتَ زخّاتِ المطرْ

كأنّ الوجهَ مألوفٌ

شعورٌ قديمٌ زاده إشتعالاً رذاذ المطرْ

أكملَ المزنُ المهامَ فزادَ حبُّ البحرْ

-لا أستطيع الخروج من هذا النمط، فأنا أجلس على شاطئ البحر لا لجماله وإنما لأني لا أملك بيتاً يأويني، لم أقبّل في حياتي فتاة ولم أتواعد مع إحداهنّ إطلاقاً، فكيف لي أن أكتب، لا بيت يأويني ولا نقود تسخن جيبي.

-ستتعلم..ستتعلم مع الوقت.

درنا شوارع أوربا ورأينا الجمال، ووقفنا على شاطئ البحر لفترات طويلة نتأمل، شاهدنا سحر الغروب ووهج قبس الشروق وحُسن زورق وحيد يمضي في العباب، لكن ما أرّقني عدم حصولي على عمل، ووضعي المخالف للقانون، لم أحصل على إقامة لذا كنت استغفي عن الشرطة، تمنيتُ لو أزور معبد دلفي لأستجلب ما يخبئه كاتب القدر لي.

باشرتُ بالخروج من نمطيتي قليلاً، وجون العجوز يصرف عليّ من ماله لكنه نبهني، ما يصرفه يسجله كدين إلى أن أعمل وأدفع له مصاريفه، فالعادة في الغرب حين تتنزه مع صديقك كل منهم يشتري الشاي أو الشراب على حسابه،  وعندما تريد تدخين لفافة تبغ عليك إخراج واحدة فقط دون أن تعطي صديقك.

لم أستطع التأقلم مع هذه العادات الغريبة عني، فإن أردت مصارحة فتاة بحبّك عليك التحديق بلجة عينها، وأنا عيني كسرتها الشمس فصارت رموشي مظلة تُنزل المطر كي لا يتكوم عليها كالسقوف القرميدية.

في يوم كان بساط السماء الأزرق جريئاً والطريق صافٍ، توجهنا أنا وجون العجوز إلى التنزه على شاطئ البحر والشمس تهدي شعاعها الأول دون ظلال، كان برفقتنا فتاة حسناء هي ابنة جون تلبس فستاناً قصيراً يبدو من خلالها ملامح جسدها الأنثوي الصارخ.

قال لي جون ألقي علي ما كتبت في الفترة الأخيرة:

-أمضي إلى صديقي الأبيض يضحك من ثغر الشمس .

أمشي مع صديقي الأصفر يشرد في شجرة الليمون.

أجالسُ صديقي الأسود يبكي تحت ظل شجرة البلوط ويتلاشى.

-تغير طفيف ولكن جيد، الآن انظر إلى ابنة أخي واكتب عنها شيئاً.

-حبيبتي ترقصُ عاريةً تحت ضوءِ الشمس ِخلعها الليل.

ضحك جون وتابعنا سيرنا وعندما أدخل يده إلى جيب قميصه ليخرج غليومه، سقطت من جيبه صورة، إلتقطت الصورة وأنا أتأمل ملامحها وملامح جون، هي ليست غريبة عنّي، تذكرتها على الفور هي نفس البنت التي إلتقيتها على شاطئ البحر محال نسيانها، هي صاحبة الشامة الجميلة على وجهها، لكنها صورة قديمة فكيف ذلك؟!..أثارت فضولي فسألت جون العجوز:

-من هي يا معلمي؟!..

-لا تفتح الجرحَ كمبضغِ الجرّاحْ

قد انطفأت كما قتلَ الليلُ الصباحْ

أصريت على جوابه وهو يتهرب قد انقلب وجهه مكفهراً غاضباً، لم يكن ذلك العجوز المبتسم، أجابني بعد إصراري:

-كانت حديقة أزهار أتأمل جمالها، والآن تخنقي ذكراها، كانت هاوية غطس عاشقة البحر، تحبه كأنه حبيبها، أرادت أن تحقق رقماً قياسياً في الغطس نبهتها أن لا تفعل، لكنها أبت، غطست ولم تخرج في ذاك اليوم الذي حمل لافتة من "الحب ما قتل"، بحثنا عنها مطولا ولم نجدها قد بلعها البحر منذ أربعين عاماً، أمرّ من هنا مراراً لألمح طيفها لكن لا فائدة ليتني أراها مرة واحدة ولأمت بعدها لا ضير، الآن أرى البحر أكل حبيبتي وخان صداقتي، وأنا أتغزل به وأكتب القصائد عن جماله، ربما أنا بائع للأوهام لكن لأجل حب حبيبتي أشدو لغريمي، مؤلمٌ أن تغني لمن يسرق فرحك ويبكيك.

-مستحيلٌ يا سيدي أنا رأيتها بأم عيني على الشاطئ، كانت هي وأكاد أجزم بأصابعي العشرة إنها ذاتها، من المستحيل نسيان جمالها.

-صه!..أتكذب على عجوز هرم، قصة مضى عليها حوالي نصف قرن ، أغلق الموضوع.

- أقسم لك يا سيدي إني رأيتها قرب الشاطئ وأنا أعرف المكان، هي نفسها ربما تسكن بالجوار.

أمسك العجوز برقبتي وحاول خنقي وهو يبكي، وينادي ملء صوته: ارحلْ من هنا.

استاءت حال جون العجوز وبقي في عزلته أياماً بدا وجهاً أخر لا يعرف السكون إلى أن ناداني وقال لي: خذني إلى المكان الذي رأيتها فيه.

بحثنا عنها في كل مكان وسألنا كل من يسكن بالجوار وما من أحد رآها أو لمحها، ما من أحد يعرفها، وجون العجوز يؤنبني: لم يبقَ منها شيء أيها الغبي، لقد أكلت الأسماك جسدها الناعم،  آهٍ!.. يرجع إلى الحياة الجرح القديم.

فَقد جون الثقة بكلامي وجهزنا أنفسنا للرجوع والشمس تعلنُ شروقها، لمحتُ طيفاً يتحرك شرقاً، بان وجه الطيف جيدا هي نفسها الفتاة ذات الشامة الجميلة، بفستانها الأبيض والزخارف التي تتمايل على ثوبها كعنقود العنب.

صرخت حينها بكل ما أملكه من صوت: جون...جون...تلك هي ..هي ذي تمشي..إنها هناك انظر إليها شرقاً، أمعن النظر مازالت على قيد الحياة.

إلتفتُ خلفي كان جون واقعاً على الأرض يعانق الرمل وقد إنطفأت الآمال في وجهه، حملت جون لأدفنه في مكان ولكن الرمل لا يصلح لا للزرع ولا للدفن، فكيفَ أدفنكَ يا جون ؟!..رميته في البحر، فقد تغزّل بالبحر طويلا ولا أظن العباب ينسى فضله أو يخونه، ولربما يجد من يحب هناك.

بعد أن مات جون لم يبق لي شيء في أوربا لا إقامة لدي ولا نقود ، صنعتُ قارباً لنفسي وبقيت أبحر من منطقة لأخرى، اعتمد على الطبيعة في غذائي وكسائي، الطبيعة لا تبخل علينا، منذشهور وأنا على متن الزورق، البارحة كنت نائماً أيقظني صرير الرياح، فتحت عيني وجدت الفتاة صاحبة الشامة الخلابة على خدها، تضحك وهي وراء حبل الغسيل، دنوت منها لأستفسر منها هل هي من الجن أم الأشباح، فحبيبة جون العجوز ماتت من زمن، هربتْ مني واختفت في الظلام عارية، بقي فستانها على حبل الغسيل ينام القمر فيه ليلاً والشمس تلبسه صباحاً، هذه هي قصتي وما حدث معي  .

صرخ الشرطي في وجهه:

-اخرس..أنت كاذب، من هي الفتاة التي قتلتها وكيف قتلتها؟!، وهل يرجع الأموات إلى الحياة، وكيف قتلت العجوز؟!...

-لا أكذب وأنا أتكلم الحق، ربما أصابني مس


31/7/2011 , 09:21 PM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

من الحب ما قتل (2)

 

كم أشتهي أن أخرجها من القبر وألبسها بدلا من الكفن فستانها الزهري الذي كانت تلبسه لي يوم كنت أسير ليلا من أمام بيتها فقط لأراها، ليتك يا عمر تردني مرة فقط إلى وجهها أخاف نسيان وجهها في زحمة الدنيا ولكني قادم إليك يا مريم وروحي لديك أمانة .

عدنا من المقبرة بعد أن وضعنا الزهور على قبر مريم وملهم يقول لي أن الأموات يتنفسون من خلال هذه الزهور .

ثم توجهنا إلى الجامعة التي درس فيها ملهم وبدأ يتلعثم ويصرخ :

كم أكره هذا المكان الذي يعتبرني الآن غريباً!، انظر لقد أخذ هؤلاء دورنا وينظرون إلينا كغرباء مع أننا كنا قبلهم من أهل الدار "أشار بيديه إلى الطلاب " ..نحن من مسح الرصيف أحذيتنا ونحن من ابتلتْ قلوبهم تحت أمطار هذه الأشجار، في الجامعة  اذكر كنا شلة من الرفاق نجلس في المقصف وعندما يريد أحدنا مواعدة فتاة نجمع له النقود من بعضنا ونشتري له باكيتا من الدخان الغالي الثمن كي يتفاخر أمام حبيبته ونجلس ونراقبه سعداء ..

تعب ملهم فأوصلته إلى المنزل وعدت إلى منزلي وأنا جالس أفكر بملهم وحياته الشاقة، فكم له قلب قوي ولكن كيف استطاع الاستمرار إلى الآن؟!، يا له من شخص يقدس الجمال فالورود تملأ أركان المنزل والغرف تحمل في كل زاوية باقات الزهور والزينة،  والياسمين  يغطي فسحة المنزل، والريحان عند باب المدخل.

في صباح اليوم التالي كانت الشمس شقراء تسربل شعرها الذهبي، استيقظت وجسمي منهك من تساؤلات ملهم والحياة ، احتسيت القهوة ووجهتي ملهم، قرعت الجرس وما من ردّ، ناديته مطولا أمام المنزل وما من جواب ، هاتفته وما من  أحد يرفع السماعة ، فعدت أدراجي خائبا:

أين ملهم؟!..أين ذهب يا ترى ؟!..هل عاد يسحب ذكرياته من مطمورة الذكرى؟!..آه يا ملهم، أيها الإسفنج اسحبْ ذكرياتك اسحبْ.

في الليل رجعت مرة أخرى إلى بيته وقرعت الباب ما من أحد، أقلقني ذلك فملهم مريض بالعضال وربما في أي لحظة يغادر الحياة ولكن الدكتور قال لي: إن الأعمار بيد الله ولكن هناك وقت لرحيله ثم أننا لم ننهِ بعد سحب ذكرياته، فقد كان من المقرر أن نزور اليوم الأماكن التي عمل فيها كونه سبع الكارات .

كسرتُ الباب ودخلتُ إلى منزله ودخلة بيته أحبها كثيرا، فعبير الورود يعطر أرجاء المنزل ودالية العنب ترحب بالزوار ، كان باب غرفته مغلقا والنوافذ أيضا دلفتُ الغرفة ورأيتُ ملهم مرميا على الأرض لم أتفاجأ فالنتيجة متوقعة لشخص خذلته الحياة ومريض يعاني العضال، بعد لحظات جاءت سيارة الإسعاف والطبيب الشرعي وفحصوا الجثة، فسألتُ الطبيب :

-       لمَ توفي ملهم مبكرا، هل عطّل السرطان كل أجهزته؟! ، فقد تركته البارحة وكانت حالته مستقرة .

-       سبب الوفاة اختناق.

-       ماذا تعني ؟!..هل هناك جريمة ؟!..

-       لا لقد توفي جراء توقف التنفس بسبب نقص الأوكسجين ، فالغرفة مغلقة والأزهار سحبت كل الأكسجين في الغرفة فتوقف قلبه عن النبض .

صعقني جواب الطبيب وقرأتُ وصيته المكتوبة بخط يده : أن يدفن في ضريحٍ من زهورٍ نفذتُ وصيتهُ،  وأنا احمل استفسارات كثيرة، هل انتحرت يا ملهم في هذه الحياة ؟!..وهل الزهور تقتل يا ملهم ؟!..آه يا ملهم كيف تجتمع البداية والنهاية ..............

 حلب 23-9-2009


7/2/2011 , 06:03 AM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

من الحبِّ ما قتل (1)

 

 

 

ملهم هكذا كان اسمه، عرفته أيام الطفولة حين كنا نلعب بالصور القديمة ونتبادلها وكنتُ دائما اربح منه بالغش والحيل ، رافقني أيام المراهقة حين كنا نتسكع في شوارع حلب تحت  سقف مساءاتها المتعبة والمترعة ، كانتْ أقدامنا تتورم أمام ديار حبيبة كل منا ..وملهم رقيق جدا له قلب أرق من السلوفان وله مشية بساقٍ ثابتة وابتسامة فيها ظلّ من الغموض ، كان وقور السمت ومتين البنيان ..وله رقبة غليظة تكاد تخترق كتفيه ..

انتقلتْ عائلته من حارتنا منذ سنين فارعة و من وقتها لم أره ، وفي ذاك اليوم الأهوج  والسماء في مخاضٍ  بينما أتسكع بحثاً عن عمل بعد أن تركت عملي السابق ، فالوظائف كثيرة والخيارات أكثر والمشكلة الوحيدة إنني أملك شهادة جامعية ، اذكر مرة عندما أردت العمل في أحد المطاعم كان واسطتي أحد النادلين حتى عملتُ برتبة  غوميك ..فالله أعلم كم سنة أحتاج حتى أصل إلى رتبة  نادل ، وفي خضم التذكر والسؤال عن العمل دنا مني أحدهم وسلّم علي وأنا أعرف هذا الشخص ولكني لم أميزه وبعد هنيهة  سمعتُ صوته فميزته لأن  الأصوات لا تضيع ..بدا لي شخصاً أخر وليس هذا ملهم فقد كان شاحب اللون ونحيل الجسم والآمال في جنازة الوجه تلف كفناً ..تحوّل إلى كهل أشيب  كأن بارقة الأمل في وجهه حطّ عليها غراب لعين ..

سلمنا على بعضنا وسرنا في الشارع والأسئلة تدق مضجعي، حتى تجرأت وسألته بسؤال محرج كوني خريج قسم الإعلام فاستفدت من دراستي في هذه النقطة بمباغتة الضيف وإحراجه :

-هل تشكو من شيء يا عزيزي ؟ ..تبدو شاحباً!!..

-أنا مريض يا صديقي .

-وبماذا مريض ؟! ..عساه مرض هين وغير خطير ..

-إني أعاني من مرض العضال ..

لم يهزني الخبر كما كل مرة عندما استلم خبراً سيئا يصعقني ولكني لا أتحرك، فاستلمت الخبر وكأني غير مهتم ، ثم أخذت رقم هاتف ملهم وأخذ رقم هاتفي وعدتُ أدراجي وجلست في المنزل وبدأ مفعول الخبر يسري في روحي رويداً رويداً آه يا عقرب النبأ! .. وجلستُ وفكرتُ بالحياة وعندما أفكر بالحياة انقلب كهلاً وأدخل قوقعتي كالسلحفاة ، فكأن الحياة عدو يتجهز لينقض علي فالحياة تؤرقني وسؤالاتها تعيق تفكيري..فأسرارها مبهمة وأصعب من أسئلة العلوم التي كانت تأتينا في فحص شهادة  الثانوية العامة  دون أن أجاوب عنها فأنا عن أسئلة العلوم لم أجاوب،  فكيف لي بأسئلة الحياة؟!.. لم أفكر يوماً أني لن أرَ ملهم مرة أخرى على الرغم من إني لم أره منذ سنوات عدة ولم أحزن وقتها لنواه ، ودائما كان اعتقادي بأن من نراهم في الشارع لمرة واحدة وأصدقاء الدراسة في الطفولة وأصحاب المطاعم والمحلات التجارية وكل من نراهم لمرة واحدة هم أشباح وأطياف من العالم الآخر لمَ نحزن لفراقهم!؟..فأنجيلنا جولي من سابع المستحيلات أن أراها إذاً هي ميمونة  في كتب السحر من العالم الآخر !!!..ولكن عند تفكيري أن صديقي مغادر في رحلة أبدية أرقني ذلك ودفعني إلى مهاتفته:

-ألو ..مرحبا ملهم..كيف حالك ؟.."سؤال غبي مني لمريض يعاني من السرطان ".

-أهلا كيفك أنتَ "أغنية فيروز كان يعشقها ملهم "

-الحمد لله ، هل تستقبل ضيوفاً بهذا الوقت المتأخر ؟!..

-حسن على الرحب والسعة ..

جهزت نفسي والوابل يصدر موسيقى على أكواخنا النحاسية وانطلقت دموع المطر على النوافذ ، كان غيثا غزيرا وجريئا على عكسي فأنا تنزل دموعي كلما نزل مذنب هالي ، أما المطر فجريء جريء ..

وصلتُ إلى ملهم وفتح باب الدار لي واعتلينا السطح وجلسنا تحت ضوء القمر وللقمر أيضا عندي تساؤلاتُ، جلسنا وأنا شارد في النجوم الخجولة في سماء المدن والجريئة في سماء القرى ، استفسرت عن مرضه فقال لي :

-         إن الطبيب قد قال لي: إنني أعاني من مرض العضال  منذ زمن وأنا في مراحلي الأخيرة لذلك سأطلب منك شيئا يا صديقي ..

-         -تفضل.. اطلب !..

-         كما تعلم أن هذه الثواني هي ثوانٍ لك  ولي هي سنواتٌ ذهبية والشهر أمسى عندي سنة ضوئية ، والسنة سراب ، أريدك يا صديقي أن ترافقني إلى أماكن طفولتي وذكرياتي ، أريد زيارة كل شيء قبل رحلتي الأبدية ، فالمكان الذي نامت فيه ذكرياتي قد انتهت فترة استئجاره والآن سأوقظه للرحيل ..

-         حسنا تكرم عيونك ..

وقفت لأودعه و استغربت من منظر الورود والأزهار في كل مكان من الغرفة وتتربع أرض الديار أيضا وكأنه فرش البيت وردا ، يا له من قلب واسع يا ملهم !..هل سيسع قلبك العالم !؟..العالم كرة مدببة لن تسع قلبك يا ملهم ..

وفي اعتنائه بالأزهار حرفية عالية فالورود متفتحة قد شبعت من الماء وتنسيق الزهور خليط أنواع دون تفريق ، سألته عن السبب فأنا الفضولي، فأجاب: لا يحب التفريق بين الزهور،  وعلّق مازحا:

التلاقح بين الأنواع ضروري لسعادة الزهور .

غادرتُ بيته في ذلك اليوم وأعمدة الرصيف بدتْ لي كأنها تستفسر  وتبحث عن أسئلة الظلام، مضيتُ وأنا أهتف للحزن، وفي صبيحة اليوم التالي توجهتُ إلى صديقي ملهم واتجهنا إلى قريته وفي الطريق بدا محدقا في كل جزء من  دروب قريته وتقتله تساؤلات الأشجار ووصلنا القرية، فجلسنا تحت شجرة الصفصاف الواقعة أمام بيته وقال لي :

-هناك كنت أحفر خندقاً صغيرا لتسير منه المياه وأبني سدودا من تراب في وجه الماء،  ولكن الماء يحطم كل شيء، كنت في الخامسة من العمر وعندما أرى جدي قادماً من كروم الزيتون بمنظره المهيب ووجهه الوقور أركض إليه فيحتضنني، كم كان حضنك دافئاً يا جدي!..وكم كنت جميلا بشروالك الأسود وقبعتك البيضاء وقامتك الفارعة !..

أما جدّتي فكانت تطبخ لنا الخبيزة "البنجار" في المطبخ وهي تمشي مشية مقوسة بسبب ثقل وزنها كم كانت جميلة عندما تخطئ في لفظ اسمي وكم كانت حلوة لكنتها !..

ثم توجهنا إلى فناء الدار وبدأ ملهم يشرد وكأن فناء الدار بكرة شريط سينمائي لفيلم اسمه الذاكرة وجلسنا على كرسي من الخيزران وحدّق في دالية العنب وأوراق العنب تتدلّى، سال لعابه وقطف أوراقاً وبدأ يأكل بعد أن رشها بالملح وتابع متحدثاً وأنا الصامتُ:

-اذكر إنني كنت أقف مطولا تحت هذه الدالية لأسرق منها العنب أو الحصرم، انتظر لتختفي عمتي فأسلب الحصرم وأحضر الملح وأبدأ بالأكل..

ثم أشر بيده  إلى شجرة التين المتربعة في فناء الدار : هناك نصب أبي لنا حبلاً وصنعنا منه أرجوحة ، كانت الأرجوحة تهتز ومعها تهتز سنوات عمري، كنت أحسب العالم كله ملكي وأنا على ظهر الأرجوحة .

اعتلينا السطح وأكمل:

هنا في ليالي الصيف كنا ننام على السطح تحت الناموسية والقمر جريء في السماء ونجوم القرية قوية الشخصية على العكس من نجوم المدن الخجولة ، وأبي يقص لنا حكايات بعضها من تأليفه وأخرى من خزائن التاريخ، كم كان صوتك دافئاً يا أبتي! أما أمي فهي كمستمع مخفٍ تسترق السمع، وفي ليالي رمضان الجميلة كنا نتسحر ليلا والعائلة تجتمع ونضحك من طريقة جدتي في الأكل، فقد كانت تبلع الطعام دون أن تجتره جراء أسنانها البالية ثم تعاني من ألم في البطن ، وعند الإفطار تجتمع العائلة ونتسامر ونضحك فرحين دون أن ندري إن للفرح ضريبة .

ثم فاجأني حينما قال :

-سأصارحك بشيء يا صديقي ، إني أشتاق إلى أولاد عمي .

-عمك الذي نصب عليك أرضك وأكل حقك بعد رحيل والديك ..

-نعم ، إني أشتاق إلى أولاده، فكنا نلعب هنا بالكرة فرحين والدنيا كلها تدور بنا لا يهمنا شيء سوى اللعب ، كنت أشعر بالاطمئنان لوجودهم وخاصة عندما كنا نرتع في ضواحي القرية ، يا صديقي أريد لقاء عمي لأقول له : كمْ كنتَ غبياً، ردّ لي سنين عمري الماضية هل تستطيع إعادة طفولتي الضائعة يا عمي.. أيا همي؟!..هل ستستطيع  إعادة تلك الفرحات والبسمات التي عشناها فسرقتها منا، هل تستطيع استعادتها بأموالك يا عمي المحترم .فالبعد والنوى لا تقربان المسافات بل تباعدان بين القلوب،  والزمن يقضي على كل العلاقات إن تركنا العلاقة للزمن ، علينا أن نحل كل مشكلة في موعدها المحدد ولا نؤجلها، منذ سنين فارعة وعمي هناك في الضفة الأخرى وأنا في الضفة المقابلة له ، فكيف سنقطع النهر بدون جسر يربط ضفتيه وما من مضحٍ بيننا يسبح ويبلل ثيابه مهما مشينا سنمشي على الضفاف أو نلتقي في المحيط بعد فوات الأوان.

لوّنتِ السماء أهدابها بكحلها الأسود ونفذت علبة الألوان البيضاء وعدنا أدراجنا وطلب منّي ملهم النوم عنده ، لبيت نداءه وخلدنا إلى النوم .

قفزت الشمس كبهلواني في ساحة السماء، مضينا في الصباح إلى مدرسة ملهم الثانوية والتي درس فيها وجلس أمامها وبدأ حديثه :

هناك يا صديقي درست الثانوية كم كنا فرحين لا يهمنا ما يحدث خارج أسوار المدرسة، نضحك لمجرد نكتة غبية، اذكر مرة نفذ مازوت المدرسة في الشتاء فوضعت خشب المقاعد في المدفأة وأعمى الدخان عيوننا لكننا تدفأنا و خرّ كل من في الصف ضاحكاً، لا أدري لمَ كلما نكبر نزداد حزنا، هل هو بناء تصاعدي هذا الحزن يا صديقي !..

في مدرستي هذه عشقت آنستي وأحببتها كلما كانت تدخل الصف كان قلبي يرتجف نشوة ، تدخل بتنورتها الطويلة وبلوزتها الحمراء، وقدها المياس يرسم تمثالا،  وابتسامتها وشم على وجهها كأنها شمس تدفئ الصف، كم كنتِ أحبك يا آنستي !..هل أصبحتِ عجوزا الآن والله لا استطيع تصوركِ إلا ملاكاً.

ثمّ أشر إلى حائط في المدرسة واسترسل :

مرّة هربت من المدرسة من فوق ذاك الحائط وعند هبوطي لمحت فتاة جميلة تتجه إلى المنزل كأنها مطار حبٍّ ، سلمتُ عليها ولم تجاوبني فلحقتها حتى عرفت بيتها، كنتُ كل يوم انتظر أمام منزلها إلى أن تذهب إلى المدرسة ولو تأخرت ُ عن مدرستي فلا مشكلة، كم من المرات عاقبني الأستاذ لتأخري..

وجاء يوم وكلمتها فكلمتني وطلبت منها الصداقة ، فصادقتني على أمل أن أصير حبيبها مستقبلا، عرفتها على أحد أصدقائي ويبدو أن صديقي أعجب بها وهي أعجبت به كحبيب، وأحبّا بعضهما وأنا خرجت من اللعبة كالجوكر..

ثم أخرج ملهم سيجارة وهو يسعل ولم يتوقف عن الحديث:

لم أفاجأ! فالحياة علمتني غلاظة القلب ولكن للأسف،  قلبي رقيق تمنيت كثيرا أن أكون غليظ الغصن كالحياة، ما عاد الحب حباً ولا الصديق صديقا يا صديقي، أضع رأسي على كتفك اليوم وغداً ستضع كتفك تحت تابوتي..

كنت أراها مع صديقي كل يوم وكأنها تجاكرني وتغيظني، هي ترقص مع صديقي وأنا أحمل شال الحزن الأخضر بيدي وأرفرف به ، وأهتف وأرقص .

قاطعته بعد أن رأيت التعب قد نال منه :

حسناً لنذهب من هنا يكفي وقوفاً على الأطلال .

تأمل الطريق قليلا وغادرنا، وهو يتكلم :

بعد وفاة والدي وقبلهما جدي وجدتي لم يبقَ لي شيء في الحياة أخسره، فالخسارة الكبرى أن تفقد والديك دفعة واحدة في حادث سير مروع، تربيت في دار الأيتام -حتى بلوغي سن الرشد- في مجتمع من الذئاب، الأقوى يبقى له الطعام الشهي والناس الزائرة  للدار تمسح بيديها على رأسك ، هل تعلم كم هي ذليلة تلك المسحة على الرأس !؟..كم كانتْ تهينني!..كنتُ اعتبرها نقصا وأحسد كل عائلة تمشي سوية في الشوارع والأسواق وأحسد رائحة الطبخ المنسابة من أحد المنازل التي يضج منها صوت العائلة ..هذا الخط جعلني طائرة ورقية بدون خيط ، كنت أتناول طعامي لأحيا ولا أعلم ما هي الحياة، عشت فقيرا ، النقود يا صديقي تجعل الحياة سعيدة بكل تأكيد ، نعم النقود، بالمال تستطيع الذهاب إلى مدينة الملاهي والجلوس في أفخم المطاعم وزيارة بلدان العالم ومواعدة أجمل الحسناوات حتى أن ميمونة ملكة الجن سترضى بك  لو قدمت لها الذهب، جميل جدا يا عزيزي أن تأكل ما تريد وتحصل على ما تبتغيه ، لا كالكلاب الجائعة يسيل لعابك أمام رائحة اللحم وزجاج قاسي القلب يفصلك عنه  ..

لقد اجتمع فيّ شيئان الفقر والحزن بمغادرة الأهل، عندما كنت مراهقا، كنت أحسد كل أسرة جالسة في الحديقة العامة سوية، فالأب متمدد على العشب والأم تحضر الصندويش لأولادها والأولاد يلعبون بكرة القدم وهم مطمئنون، آه.. كم هو جميل شعور الاطمئنان ولا تشعر به إلا في كنف والديك !.

حلّت العتمة بسرعةٍ ومضت الساعات كعداء يربح السباق دائما ودّعت صديقي ملهم إلى اليوم التالي ونمتُ فور وصولي إلى المنزل من شدة إعيائي وتشاؤمي.

في ظهيرة اليوم التالي توجهنا أنا وملهم إلى الجامع الذي كان يصلي فيه برفقة والده وصلينا هناك وأعطاني ورقة قال لي هذه وصيتي لا تفتحها إلا بعد رحيلي،  وتوجهنا بعدها إلى حديقة صغيرة كانا يجلسان فيها سوية وقفز قائلاً:

آه من هذا الصبار!،  كم من الناس مرّتْ عليه ومازال قويا في الحديقة ولا زلت أتذكر وخزاته على أصابعي.

بعد هنيهة راودت ملهم فكرة ذهابنا إلى السينما فقطعنا تذكرتين ودخلنا السينما، وملهم لا يشاهد الفيلم بل كساحر يستحضر ذكرياته مع رفاقه عندما كان يحضر الأفلام مع صحبته ويتخيل نفسه الأمير في الأفلام الهندية والبطل في أفلام الكاراتيه، وقال:

كانت رفقة السينما من الطقوس المحببة إلي خاصة أيام الأعياد، نجتمع سوية ونذهب من الصباح الباكر إلى سينما تعرض عدة أفلام وراء بعضها وكنا نخرج من السينما في التاسعة مساء ونتوجه إلى بياع صندويش الفلافل ونأكل ونحن نناقش الفيلم وقبل النوم نستحضر كل مشاهد الفيلم الفاتنة،

جربتُ حضور السينما مرارا لوحدي ولكن لا طعم لشيء وحيدا فالحياة بشعة بالوحدة ومرعبة ، لأن الوحدة تصنع من الظل شخصا، الوحدة تشعرك بآخرك، وبكل عذر فيك وكأنها مرآة تستكشف جهنم مكنوناتك، فجهنم تقبع داخل جسمك، ضعْ أي شيء في فمك سيذوب إذاً نحن أيضا نحاسبُ، ولكن أين الجنة في داخلنا؟!، نُدخل طيبا فيخرج خبيثا أي شر يسكن فيك أيها الإنسان ، تأكل الموتَ لتحيا !..

عدنا إلى منزل ملهم وجلسنا ثم حضرت كأسين من الشاي لأن المشروبات الساخنة تطيل الأحاديث ودليل على الرابطة القوية بين الشخصين، وتحدثنا عن الحياة والموت والأمل والألم ..

ثمّ نمت عنده تلك الليلة أصر ألا أرجع خشية اللصوص فالساعة تجاوزت الثالثة صباحا، استيقظنا متأخرين في ذلك اليوم من تعب السهرة، وبعد أن تناولنا الطعام سألته:

-إلى أين المسير اليوم ؟..

-إلى المقبرة، مكان جثوم حبيبتي ومكان سخف الحياة ..

وصلنا المقبرة والغروب يخطط السماء ، وملهم يحدق بالأضرحة ويعلق :

انظر للحياة كم هي مضحكة ومبكية، كل واحد من الأموات يحمل هويته الشخصية ، يعرفنا على نفسه وانظر لهذه الحسناء كيف تحولت إلى رميم، كانت حين تمشي في الحارة تجفف لعاب كل من يراها عشقا ، والآن إن خرجت من المقبرة ستجفف لعاب كل من يراها خوفاً ..

كان اسمها مريم فآه يا مريم يا اجتماع البداية والنهاية، مريم كانت مثلي وتشبهني كثيرا، كان لها قلب لا يسعه العالم، أحبتني وأحببتها ولكن أمها لم ترضَ بي كوني فقيرا وكنت أقول لها: أنا فقير لكن قلبي كبير، بيد إنها ظلت عند قناعاتها وعقدت قران ابنتها من رجل غني يكبرها بسنوات طويلة، ومرة قبض عليها زوجها وهي تحادثني  على الهاتف فقتلها وقتل معها آمالي، فأنا من بنى عليها بناء آمال وكالهدّامة جاءت أمها وأوصدت الطريق في وجهي بحائط من اسمنت وقالتْ: كفى ..توقف يكفيك الآن أحلاما..

أتعلم إني يومياً أزور المقبرة وأحضر معي فنجانين من القهوة، الأول أشربه أنا والثاني أسكبه على قبر مريم فهي تشرب معي وأكاد أراها وهي تجلس بجانبي بصوتها المبحوح الجميل، لا أعرف ماذا أفعل يا مريم لأحميك من هذا التراب، كنت أخشى عليك من النسيم لو داعب وجهك والآن تراب يغطي وجهك الفاتن ..

كم أشتهي أن أخرجها من القبر وألبسها بدلا من الكفن فستانها الزهري الذي كانت تلبسه لي يوم كنت أسير ليلا من أمام بيتها فقط لأراها، ليتك يا عمر تردني مرة فقط إلى وجهها أخاف نسيان وجهها في زح


7/2/2011 , 05:34 AM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط


الصفحة الأخيرة | صفحة 1 من 4 | الصفحة التالية

سجل وامتلك موقع مجاناً