نوزاد جعدان
كاتب وشاعر سوري

روابط

الصفحة الرئيسية
ملفي الشخصي
الأرشيف
أقلام أصدقائي الشعراء

الأقسام

الجوائز
خواطر وكلمات
أدب أطفال
أساطير السينما الهندية
أساطير من حول العالم
أولى التجارب الشعرية
سيرتي الذاتية
مسرح
مقابلات
مقالات
قالوا عن أعماله
قصائد باللغة الإنجليزية
قصائد بخطي
قصائد ترجمتها من الأدب لعالمي
قصائد من الشعر الحر
قصائد موزونة
قصص قصيرة
قصص قصيرة جدا
فيديو

مواقع صديقة

صفحتي في ديوان العرب
صفحتي في دروب
صفحتي في صيّاد الشعر الأمريكي
صفحتي في القصة السورية
صفحتي في أدب فن
صفحتي في حيفا لنا
صفحتي في أبيات
عضويتي في حركة شعراء العالم
صفحتي في مركز النور
صفحتي في ضفاف
صفحتي في دجلتين
صفحتي في صدانا
صفحتي في ألف حرية
صفحتي في القصة العربية
صفحتي في المثقف
صفحتي في بويت فريك الأمريكي
صفحتي في شايري الهندي
سيرة ذاتية في ديوان العرب
دليل سير ذاتية
صفحتي في تلسقيف
صفحتي في عامودا كوم
صفختي في موسوعة الشعر العربي
صفحتي في مجلة عود الند
ديواني في موسوعة الشعراء العرب
صفحتي في موسوعة ويكبيديا
صفحتي في الفيس بوك

المرآة

 

أفٍ.. لقد تأخر عدنان ..نحن ننتظره منذ ساعتين ولم يحضر بعد, تأففتِ العائلة بعد مللها من الانتظار حتى جاء عدنان الشاب الفوضوي ذو البشرة الداكنة والأنف الأفطس والعيون الصغيرة الذابلة من حصاد السنين.

-آسف يا أبي لقد اضطررت للتأخر فصاحب المطعم لم يسمح لي بالخروج  إلا بعد مغادرة الزبائن وتنظيفي للمطعم، قالها عدنان بخجل.

-لا بأس يا بني، ولكن تعلم تقديس الوعود، حسنا لننطلق إلى الباص.

توجهت عائلة عدنان إلى القرية بعد قرار الأب بتقضية عطلة نهاية الأسبوع في القرية، فهي فرصة لاستنشاق الهواء النقي البعيد عن ثاني أكسيد المدينة.

وصلت العائلة إلى القرية وباشرتْ تنظيف المنزل المليء بالغبار،  وبعد ساعات انتهوا من عملهم، فحضرت الأم إبريقا من الشاي الساخن مع الكعك، وعدنان يفكر بالمغارة التي تقع في المنزل والتي لمحها عند ترتيبه للأثاث وتعجب لإغلاقها بالمفتاح، و أخذت العائلة تتسامر وتتحادث حتى جاء سؤال عدنان البارد لأبيه:

-لمَ المغارة مقفلة يا أبي وأين مفتاحها؟!.

-ماذا تريد من المغارة يا عدنان؟.

-أريد أن أرى مقتنياتها وما يوجد فيها، ربما تحمل بعض الأثاث القديم.

-لا تجرب الدخول إليها قد تجد فيها الأفاعي والعقارب وقد يأكلك الضباب يا بني.

-أنا يا أبي عندما أضع قدمي على الأرض لا اسأل إن كانت موحلة أم لا.

-لا تتحدث عن المغارة مطلقاً، لقد عكرت مزاجي أيها الأبله، ابحثْ في مستقبلك ما بك تهتم بالماضي ما مضى قد انقضى.

تأففت الأم وتنهدت ثم تمتمت مع نفسها و ربتت على كتف زوجها لتهدئ سكينته.

لم يسمع عدنان كلام والده، وعند نوم الجميع توجه إلى المغارة حاول فتحها لم يستطع، وبعد عدة محاولات فتح بابها بطريقة كان صديقه في الابتدائية يستخدمها لسرقة مسجلات السيارات ثم علمها لعدنان.

دخل عدنان المغارة والظلام الدامس يغزو المكان فأشعل عدنان نبراساً  وتقدم إلى الأمام، وغدا يسمع أصواتا في المغارة فيلتفت يمنة ويسرى إلى أن لمح فتاة شعرها أسود طويل تناديه ثم تختفي, فسرى الرعب في جسده حتى بدا يهاب من ظله الذي يشكله الفانوس رأى عدنان صورا لجده وجدته وعصا جده وقبعته وعلبة تبغه أيضا.

وعند وصوله لنهاية المغارة سمع صوت الباب فالتفت و لمح شخصا طبق الأصل منه وكأنه شبيهه وقبل أن يصرخ، قرب منه المصباح ليتضح له أنها مرآة قديمة جدا و كبيرة  الحجم، حملها عدنان و أخذها معه والأصوات تتكاثر في المغارة وصور أناس ترتسم على الحائط عدا عن الغرق في الأصوات، أغلق عدنان أذنيه وركض خارج المغارة.

وفي اليوم التالي رجعت العائلة إلى منزلها في المدينة، وعدنان فرح بالمرآة التي علقها في خزانته ثم حدق فيها وفكر بأمرها وصار محتارا في تاريخ ميلادها ومدى قدمها وبينما كان غاطسا في التفكير بها رأى صورة أحدهم في المرآة: شخص عجوز بيده عصا كبيرة في مغارة منزلهم القروي يضرب بها رأس فتاة حسناء، يضربها حتى يقتلها ثم يلفها بكيس ويدفنها في المغارة.

فرّ عدنان هاربا من الغرفة والخوف يأكله وصرخ عاليا :

-أبي ..أبي.

-ما الأمر؟.

-لقد أحضرت مرآة من القرية وإني لأرى فيها أشياء غريبة.

-لماذا أحضرتها أيها الشقي ؟ وما الذي تراه؟ لا تنظر في المرآة كثيرا، يُحكى في قريتنا من قديم الزمان أن شاباً نظر إلى نفسه في المرآة مطولاً فبدأ بالضحك بداية ثم بكى كثيرا إلى أن فقد عقله بعدها سقط طريح الفراش حتى فارق الحياة، يا بني نحن نهرب من أنفسنا فما بالك تستمتع بالمرآة ..

-إني أجد شخصا هرما مرعب الشكل يقتل فتاة في ربيع العمر بالعصا حتى الموت .

-ما الذي تقوله أيها الغبي هل جننت ..أتهذي! وهل أصابك مس ؟!..يبدو أن ولدنا قد جن فقد عقله.. يا للعار!.. لكن دواؤك عندي سأكسر رأسك والمرآة.

- لا يا أبي أرجوك لا تفعل دعني اقبل قدميك.

لم يكسر الأب المرآة، وعاد عدنان لغرفته ووقف أمام مرآته مرة أخرى فلم يجد إلا صورته وبعد هنيهة شاهد شيئا وراءه وصورته تتلاشى شيئا فشيء، شاهد رجلا شابا وراءه يضع وسادة على رأس رجل عجوز ويعذبه حتى تتوقف قدما العجوز عن الحراك.

ارتجفت قدما عدنان من هول ما رأى وأمسى حائرا في أمر المرآة وما يفعل بها، احتفظ بالسر في فؤاده وتوجه إلى عمله وأخذ يسأل أصدقائه عن الأشباح والعالم الآخر وهل يؤمنون بالأطياف فأجابه معظم أصدقائه إنها خرافات ولا وجود لهم، هدأ جوابهم هواجس عدنان.

عند وصوله للمنزل وقف أمام المرآة مباشرة ولم يجد شيئا إلا صورته ورويدا رويدا ظهرت صورة الفتاة التي قتلها العجوز، كانت فتاة سمراء شعرها طويل يصل إلى ركبتيها وعيناها كبيرتان تشبه عيون البقر وأهدابها نجلاوين، شاهدها في المغارة مع شخص وسخ الملابس يبدو من محياه أنه راع للقطيع يتبادلان القبل و العجوز يشاهدهما من ثقب الباب، وفجأة بدأت المرآة تضخ الدماء شيئا فشي، بدأت نقطة ثم تحولت إلى نهر.

ابتعد عدنان عن المشهد مسرعا وركض وأغلق الخزانة، ثم نام والكوابيس تلاحقه مرة يرى الفتاة تناشده ليساعدها بالخروج من المغارة ومرة يرى العجوز يضحك عاليا على حشد من الجماهير ذي العيون الناعسة.

استيقظ عدنان في الصباح وجسده منهك تماما وقرر رمي المرآة، قبيل رميها نظر إليها ملياً فشاهد فيها شخصا في المغارة يجهز حبلا ثم يشنق نفسه، خاف وخارت قواه واقتحم خلوة أبيه صارخاً:

-إني يا أبي أرى امرأة مقتولة وشابا منتحرا وعجوزا قاتلا ومقتولا.

فكر الأب طويلا ثم قال له:

-جهزْ نفسك يا بني  قبل أن يستيقظ إخوتك، سنذهب أنا وأنت للقرية ونعيد المرآة إلى مكانها لتتخلص من هذه الأوهام إلى الأبد سترتاح بعدها ..سترتاح.

توجه الاثنان إلى القرية وفي طريقهما صادف عدنان صور الأطياف في المرآة تلبس ظلال الأشجار وتتلاشى صور الجبال لتلبسها الظلال، وعند وصولهما إلى المغارة بانت صورة في المرآة رآها عدنان وبدت على عينيه نظرات الخيبة والتحسر، وقبل أن يتكلم عدنان طعن الأب عدنان  عدة طعنات حتى رماه قتيلا ثم قام بدفن عدنان في المغارة بجانب الشابة أو فوقها أو تحتها لم يكن يدري، بيد أن الظلال بدأت تلاحق والد عدنان ومشهد الدماء لا يفارق ناظريه، فأقفل المغارة وفرّ سريعا.

ثم أخذ المرآة المنحوسة ولم يدفنها تحت التراب خشية نموها،  تسلق الأب جبلا كبيرا ورماها في نهر جارٍ، بعدها  عاد إلى المنزل.

كان النهر في صبيحة ذاك اليوم أهوجا مجنونا يطوف على ضفتيه فسقطت المرآة على الشاطئ والتقطها صياد سمكٍ  وأخذها معه إلى غرفته التي يجهزها لعرسه القريب القادم ..

حلب 11-12-2008


5/7/2010 , 04:41 AM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

وفاة حلم

 

أسدل الليل ستاره وتوقفت الحركة في القرية وخيّم الصمت على المكان بعد أن كان يعج بأصوات الأطفال، انسلخ النهار وران على وجه القرية وشاح أسود، الليلُ بطله، ولم يعد يُسمع إلا نباح الكلاب ونقيق الضفادع لتشكلا أغنية جميلة موسيقيوها الضفدع والكلب وقائد الأوركسترا الليل بصمته المذهل.

الطريق عتمٌ وبعض ظلال يتامى الصباحات وغرماء الليل  يرنو من بعيد، أما فرحان النائم في البستان يحلم بجوال يقتنيه، فحلم حياته أن يمتلك هاتفا نقالا ليتكلم به مع صديقه مروان، وقبل النوم أن يسمع صوت عبد الحليم حافظ ثم يغفو على صوته، وأن يستيقظ صباحاً على صوت فيروز وهو يعانق أذنيه.

فرحان متشرد القرية ينام بين البساتين، فالعشب فراشه وضوء القمر غطاؤه وتعداد النجوم دواؤه المنوم, ففرحان يعمل في رمي ولمّ قمامة القرية، ومنذ زمن قد وضع في ذهنه اقتناء هاتف محمول.

تقشف لشهرين، يأكل مرة واحدة في اليوم رغيفا من الخبز مع بيضة مسروقة من القن وبعدها يأكل عنقود عنب مسروق من أحد البساتين.

وبعد أيام وليال طوال اشترى فرحان هاتفا واستمتع بهذا الجهاز الصغير فكثيرا ما كان يحملق به دون أن يتكلم،  لا يصدق عينيه.. أنه أخيرا اقتنى هاتفا نقالا.

تكلم فرحان مع صديقه مروان لتكون أول مكالمة لفرحان، وعند حديثه معه نفش فرحان صدره وبدا مزهوا فخورا يمشي في القرية كما يمشي المشاهير على البساط الأحمر وبدا كعريس في ليلة دخلته.

أخبر فرحان صديقه بأنه حقق حلمه الذي ناضل في سبيل تحقيقه، سأله مروان عن مكان وجوده الآن، فأخبره فرحان بأنه عند الساقية، وتعجب لعدم سماع مروان خريرها.

وبينما كان فرحان يتكلم لم يشعر إلا بسارق على دراجة نارية  يسرق هاتفه ويهرب دون أن يلمح شكله،  فالسارق اختفى كما يختبئ الرعد بعد إطلاق  صوته.

حزن فرحان حزنا عميقا وتجرع كؤوس الدموع وبدا كل شيء في الحياة أسود اللون كسواد الغراب الذي ينعق فوق رأسه، في تلك الليلة تمنى أن تكون بعض الأشياء حلما كما تمنى أن تكون بعض الأشياء حقيقة، استلقى فرحان على العشب وهو يفكر بحلمه الذي سُرق في لحظة، حلمٌ أسسه على مدى الساعات اِستلّ في لحظة فكيف تحدث هذه الأمور ؟ تأفف وتمنى لو أن الزمان يرجع للوراء ويقبض بكلتي يديه على هاتفه أو أن يقبض على السارق ويبرحه ضربا.

خرجت الشمس من خدرها معلنة الصباح مع زقزقة العصافير وصياح الديوك، لم يلمح أحد من أفراد القرية( فرحاناً) فسألوا صديقه مروان عن سبب تأخره  برمي القمامة، فتوجه مروان إلى مكان نوم فرحان ورآه ساكنا في مكانه متوقفا قلبه عن النبض ، ميتة الأمنيات في وجهه، وبدأ مروان بالبكاء والنحيب مخاطبا جثة فرحان الهامدة:

آه منك يا صديقي لقد مزحت معك مزحة ظننتها خفيفة و أردت أن تكون طريقة مباركتي لك بالهاتف مختلفة،  فسرقت هاتفك وكنت قادما اليوم لأعيده لك،  لم أكن اعلم أن النتيجة وخيمة لمزحة شيطانية, فاعذرني وسامحني .

قام مروان بحفر قبر ووضع فرحان بداخله ودفن الهاتف بين راحتيه ثم واراه تحت التراب.. وكتب على شاهدة  ضريحه (هذا قبر متشرد مات جراء وفاة حلم)..

 

 دمشق شباط 2007


27/1/2010 , 02:13 PM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

المومس والمتشرد

 

كان المطر يهطل بغزارة و الشوارع خالية إلا من شخص واحد مازال يمشي تحت قطرات المطر غير آبه بها, متنقلا من حاوية إلى أخرى باحثا عن فتات الطعام, كان شخصا رث الثياب, طويل الذقن ,ذا عينين خجلتين ذابلتين ووجه تبدو عليه علائم ضربات السنين .

 إنه رامي جميع أهالي الحي يعرفونه من مشيته المترنحة ويده الدائمة  في الجيب ووقفته الطويلة في الشارع,  و يعرفون شخصا آخر هي منيرة الفتاة الشقراء المشهورة بعينيها الخضراوين النجلاوين والقامة الممشوقة ، والهاربة من القرية لتضيع في زحمة المدينة و ليصبح جسدها لقمة سائغة للضالين.

كان رامي دائم الحلم ببيت يسكن فيه و يغريه منظر مكون من أربعة أضلاع فقد سئم من عمق منظور الشارع و من حجم البنايات العالية و ملّ من عواميد الكهرباء المنتشرة في أرجاء الشارع التي تعرقل نومه ,فلم يكن يملك غطاء يلتحف به سوى السماء و لا وسادة أو كتفا يضع رأسه عليها إلا أكياس القمامة و لا شمعة تنير دربه إلا ضوء القمر.

تأمل رامي في تلك الليلة منظر القمر بعد توقف المطر و اقترب منه كلب ضال فبدأ رامي يحاورهُ، فلا أحد يسمع رامي أو حتى ينظر إليه فهو نكرة جوكر,  بادره بالسؤال:هيه ..أيها الكلب بعد السؤال عن صحتك و عن أخبارك؟! ..يبدو لي إننا أنا وأنت بلا مأوى و كلانا مشردان و لكن هل تعلم ما هو  الفرق الوحيد بيني و بينك ..ها؟.. يرد عليه الكلب بالنباح حسنا , أنا سأجاوبك الفرق الوحيد هو  أنا إنسان و أنت حيوان، و يتابع.. أتعلم إنّ كليّنا يوميا يأكل الركلات و الضربات و لكن الفرق الوحيد بيني و بينك إنه لدي شعور و أنت خال ٍ من الشعور، فأنا إنسان و أنت حيوان ..

وبدا الحوار مطولا إلى أن خرج رجل من بيت منيرة و نظر إلى رامي وتابع سيره،  فتأملت منيرة منظر رامي و لم يفارقها لحظة حتى عندما حاولت النوم, وخطر لها هاجس في كيفية تبييض سمعتها أمام الناس,  ففي طريقها إلى السوق يلتم حولها  أهل الحارة و يشتموها فقد ساءت سمعتها إلى درجة لا تحتمل  , فكم من النساء طلقوا بسببها ,وكم من عائلاتٍ فرّق شملها من تحت رأسها..

 و خطرت لمنيرة خطة , فقامت بإشعال الأنوار و فتحت النافذة لتجد رامي غارقا في النوم ، فنادته و لم يرد عليها فخرجت و حركته إلى أن استيقظ رامي بخوف و ذعر, مبادرا إياها السؤال: ماذا تريدين مني ؟ .. فردت عليه منيرة بإجابة أنثوية مظهرة مفاتنها بفستانها القرمزي الشفاف :تعال و نم في الداخل, تردد رامي و أحتار ماسحا عينيه مستغربا فلعله منام كالأحلام الكثيرة التي كان  يراها  ,ثم أجاب : ماذا أفعل بالداخل يا سيدتي؟!..

قبضت منيرة على معصمه و سحبته إلى بيتها و علامات الاستفهام تدور من حول رامي, فهي في الماضي كانت تشمئز منه و عندما تنظر إليه ترمقه بأسفل عينيها و إذ بها الآن تدخله إلى بيتها و تطعمه و تشربه الشاي الساخن و تجلب له صحون الفواكه والحلويات  إلى أن شعر بالتخمة..

 فهو يأكل ولا يفقه  شيئا من الموضوع ، و لم يلتمس حنانا كالذي التمسه اليوم من منيرة و بعدها اصطحبته إلى غرفة النوم وقامت بتقييد قدميه و يديه لتمارس الجنس معه و جلبت سكينا و جرحت بعض المناطق من جسمها ومزقت ثيابها و رامي المسكين يبتسم ابتسامة المغفلين ..

قامت بعدها  بالاتصال بشرطة النجدة و هرعت الشرطة إلى منزلها و دُق الباب , ففتحت منيرة الباب ليسألها الشرطي بلهجة غليظة:أين هو ذاك السافل ؟..

فأجابته: هاهو هناك لقد اغتصبني و بقدرة القادر استطعت التخلص من بين أنيابه إلا أنه بعد فوات الأوان ,فلقد فقدت عذريتي.. و تتابع باكيةً  و الدموع تنزل من عينيها  لترسم خطوطا على وجنتيها.

دخل الشرطي و العصا بيده إلى خلوة رامي فرفرفت رموشه .. و قبض عليه الشرطي عاريا تماما و اصطحبه إلى مركز الشرطة بالإضافة إلى منيرة.

سارت السيارة إلى مركز الشرطة و كأنها تكتب حياة جديدة لرامي و منيرة اللذين  ينظران إلى الشارع كل في اتجاه،  ووصلت السيارة إلى المخفر, فقام الضابط بالتحقيق بلهجة غاضبة: أنت أيها النحيل القذر هل قمت باغتصابها ؟ .. ابتلع رامي ريقه و ولأول مرة فكر بعد فترة جمود و سكون و كيف أنه في حال الاعتراف فإنه سيدخل السجن و آه ..ما أجمل السجن!.. فالطعام مجاني و الاستحمام أسبوعي عدا أنه سيلتحف غطاء و ينام بين أربعة جدران و يرتاح من صوت مازن العاشق السكير المعروف في الحارة الذي يعرقل نوم رامي, بينما كان يفكر قاطعه الضابط بصرخة: ما بك أيها القذر هل أنت أم لا ؟ ..فنظر رامي بقوة و لأول مرة و بإجابة ملء  الفم  و بكل قوة: نعم أنا الذي اغتصبها ,و نظر الضابط إلى منيرة بنظرة شفقة مخاطبا إياها: تعالي إلى هنا أيتها المسكينة اجلسي .. كم عانيت من تحت أنياب هذا الوحش! .

أمر الضابط السّجان باصطحاب رامي إلى السجن و الابتسامة لا تفارق وجهه فهو في قمة سعادته سينام لأول مرة بدون  ضجيج و دون  إزعاج من أحد و لتتابع منيرة مسيرتها في وصولها إلى شهادة حسن سلوك  و إنها كانت عذراء بريئة إلى أن جاء المتشرد القذر رامي وقام باغتصابها و ما الكلام الدائر حولها إلا إشاعات مغرضة و مجحفة  بحقها , فغادرت منيرة إلى حارة أخرى و تركت عملها السابق لتتزوج من رجل غني, بينما تابع رامي مشواره في السجن عاشقا لظلامه هاربا من سواد القلوب.

حلب 2006 


27/1/2010 , 02:06 PM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

الوليمة

 

الوليمة

 

تعرفت عليه أيام الجامعة  و لم أره منذ سنتين, كان شابا مرحا مقبلا على الحياة و الابتسامة لا تفارق وجهه و لكننا افترقنا لأنه سافر إلى وطنه العراق..و في إحدى الليالي و أنا جالس في المنزل أتصفح بعض الكتب , اسمع صوت الهاتف يرن لأرفع السماعة لأسمع صوتا ليس غريبا عني و لكن من الصعب تمييزه ليقول لي: أنا بسام, ألم تعرفني من العراق!! 

فقلت بكل ثقة: نعم عرفتك, فكيف أنسى أيام التسكع في الجامعة أيها المشاغب أهلا بك أين أنت الآن ؟ فقال:أنا في سورية و انتظرك في الحارة الفلانية لم أتردد و جهزت نفسي للقائه و لم أكن أحبذ أن احضره إلى بيتي الذي يعج بأفراد عائلتي.

انطلقت إلى لقاءه و أنا متلهف أن يكون لقاءنا كالتقاء نهري  دجلة والفرات ووصلت إلى المكان المحدد و بدا ظله يتراءى لي فسلمنا على بعضنا و بعد العديد من عبارات المجاملة  مررنا بالقرب من مطعم وفندق الملوك الذي يحضره أصحاب الملايين و رأيت صديقي يحدق بالمطعم و يسألني بأنه فندق فخم و ما كان علي إلا إكرام الضيف ودخلنا بهو الفندق و تأملت أبوابه الزجاجية الأوتوماتكية و الطاولات الفخمة  و المرايا الساحرة حتى بدأ الرعب يدب في قلبي و لكنه بعث الطمأنينة قائلا : أنا لا أتناول شيئا على العشاء,  فرددت عليه بابتسامة تخفي وراءها الخوف :  أوه لا, لا يجوز ذلك أنت ضيفنا اليوم,  و بعد لحظة صمت استطردت قائلا  :

لا أستطيع إجبارك على العشاء فأنا أيضا لا آكل شيئا على العشاء و أعتقد أن الناس تأكل أكثر من حاجتها .

 دخلنا إلى المطعم ,ثم جاء النادل ليرحب بنا و أعلم أن وراء ترحبيه غايات و أهدافا  فسألت ضيفي : ماذا تأكل؟

أجابني : بعض البيتزا و الكبب الشرقية ..في هذه اللحظة كنت أبحث عن قلبي بسبب هبوطه المفاجئ و تسارعت أنفاسي و اخترت لنفسي أرخص طبق على القائمة و بادرني ضيفي بالسؤال عن طبقي الذي اخترته فقلت له بكل صدق : إنني أتبع حمية غذائية وجاء النادل يحمل الأطباق و المقبلات التي هي بالنسبة لي غذاء يوم كامل و بدأ صديقي بالأكل وانتهى من الطعام وترك الكثير من الطعام بدون أن يلمسه فاستجمعت قواي وقلت له :

لقد فتحت شهيتي بطريقتك الشهية للطعام سآكل لقمتين, و تخيلت نفسي في حرب مع الطعام

فأنا أعلم أن الفاتورة ستأتي كبيرة جدا لذا لن ادع صحنا من شري و التهمت الأطباق حتى شعرت بالتخمة.

و بعد تناولنا العشاء سألت ضيفي أتشرب شيئا  بعد العشاء ؟ فقال: لا ..  في هذه اللحظة أيدته و قلت بغبطة و لا أنا و لكني تابعت قائلا  وليتني لم أقلها يبدو أنك لا تشرب عصير الفواكه  فأجابني بلى, اشرب ,و طلب من النادل كأسا من عصير الفريز و أنا أعلم السعر العالي لهذه الكأس  بينما فضلت أن  أشرب كأسا من الماء معللا بعدم شربي للعصير بأنني من شدة شربي لها مللتها  .  

كنا نتكلم عن الفن والمسرح والأدب إلا أن عقلي كان مع الفاتورة و أعرف أن ساعة الدفع ستحين

و سمعت صوت خطوات النادل تقترب و يحضر لي مصيبة أخرى حيث جاء وقت الحلويات و تحدث صديقي بأن سورية تشتهر بحلوياتها ولن يسافر إلى العراق قبل تذوقه طعمها و طلب من النادل أغلى نوع.. تلك التي كنت أراها من وراء زجاج المحلات ويسيل لعابي لمجرد رؤيتها  و سألني ألا تأكل منها ؟ فقلت له: لا, إنها دسمة جدا أستغرب كيف تستطيع أكلها, و بقيت أفكر بالفاتورة  و كأنه يوم الحساب بالنسبة لي و أتساءل بيني وبين ربي ترى بمَ أذنبت يا ربي   

أرجوك أنقذني من هذا الموقف الحرج.

وحان وقت المشروبات الساخنة هنا جمعت قواي و أصبحت أدق على صدري فالحساب ارتفع و ما عاد باليد حيلة فسألته:ماذا تشرب أجابني قهوة فطلبت من النادل كوبي قهوة مع نارجيلتين

و ما أن انتهينا منها حتى جاءنا النادل بسلة من الفواكه و توسعت حدقتا عيني فأنا أعرف أسعار الفواكه في هذه الأيام و ازداد خوفي و رعبي و ما في جيبي معاش شهر لم أكن أخاف على معاشي بل خفت ألا يكفي, و بدا النادل مهتما بنا يرفع صحنا و يضع آخر و يضع المناديل أمامنا

وما كان مني إلا أن وضعت بعض الليرات في جيبه لكي أرضيه و لكنه أعادها إلي بابتسامة ساخرة فبادرت ضيفي بابتسامة غبية كي لا يقول عني بخيلا.. و جاء وقت الدفع فالنادل قادم و بيده الفاتورة بدا لي كجلاد و بيده حبل المشنقة , عندما نظرت إلى الفاتورة تغيرت ألوان وجهي كألوان قوس قزح ودفعت الفاتورة التي كانت عبارة عن معاش شهر كامل و لم يبق معي سوى أجرة طريق الرجوع  وودعت صديقي قائلا : آه.. كم اتخمت و أنني اشعر بعسر هضم و لن أتعشَ مرة أخرى  في المطاعم ,فأكل البيت صحي أكثر .. بعدها استغربت من جوابه : واحدة بواحدة ,فقلت له ماذا تعني ؟ ..ألا تذكر عندما كنا في الجامعة عزمتني إلى مطعم جيد ثم قلت أنك ذاهب إلى الحمام إلا إنك هربت وقتها تاركا الحساب علي و ما كان مني إلا أن أرهن هويتي ثم أعود لأدفع لصاحب المطعم.. هل تذكر ؟ كان يسألني و هو غارق في الضحك ..فالعين بالعين والعزيمة بالعزيمة و البادي أظلم ...

    حلب 2005


16/1/2010 , 12:30 AM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

اليد العمياء

 

إنه رنين الساعة وعليّ الاستيقاظ للذهاب إلى المدرسة فالطلاب بانتظاري ،استيقظ زياد بعد تذمره الروتيني كل صباح، فزياد أستاذ مدرسة بدأ الشيب يغزو شعره، له بشرة صبغتها الشمس بلونها والإرهاق كحل عينيه، عشق زياد منظر الغيوم وهي تغطي الشمس ولطالما كان يراقبه .

ظروفه الصعبة أجبرته على العمل في المساء كسائق أجرة وفي الصباح يداوم في المدرسة معلما للطلاب .

توجه زياد إلى المدرسة ودخل الصف وبدأ درسه بعد تحية طلابه، كان يعطي درسه والجميع ينصت إليه إلا طالباً واحداً ذو رأس صغير وشعر أحمر وأذنين صغيرتين كشكل الرادار لا يستمع إليه ويرمي بالأوراق على اللوح وعلى أصدقائه .

اقترب زياد من الطالب المشاغب وبدأ ينصحه :

انظر يا بني ..أنا لست مهرجا أمامك ، أنا هنا لأنهل لك زبدة العلوم وأضعها في متناولك، فالعلم شيء جميل، ستشعر تارة أنك بحار تسافر وأنت قابع في مقعدك وأحيانا تغادر في رحلة رومانسية على ظهر جمل إلى بلاد طرفة بن العبد أو على متن طائرة إلى بلاد جون كيتس، أيا بني ..ربما والدك تاجر غنيٌ والمال شيء جيد ولكن الروح بحاجة لغذاء طعامه الكتاب، فالكتاب يرشدك إلى الطريق الصحيح للحصول على كل شيء وخاصة إن أردت ركوب قطار لتزور  بلاد السعادة، فمن لا يتعلم يكون حصاده في الدنيا كحصاد الصحراء.

كان زياد ينصحه والطالب المشاكس غارق في الضحك غير آبه، دُق الجرس ليكون جرس الإنقاذ للطالب البليد ..

 كان حذاء زياد البالي المثقوب  يصدر زقزقة تخجله، فكان يضغط على قدمه لتثقل وكي لا تطلق صوتا .

عاد زياد إلى البيت بعد الدوام وجهز لنفسه كأسا من المتة التي أعتاد على شربها جراء وحدته الطويلة بدون زوجة تؤنسه، بدأ يفكر بحبيته التي تركته إثر وضعه المادي التعس، فكان يجتر أحزانه كما يجتر البعير طعامه .

بعد قيلولة الظهيرة توجه زياد إلى عمله كسائق أجرة وشغل السيارة وبدأ أغنية العمل وخلع ثوب المدرس ليلبس ثوب السائق :

 

أنا سائق التاكسي زياد ..الطرائد أمامي وأنا الصياد.. برؤية الجميلات أصفر العداد ..وأطوف شوارعهن كالسندباد ..عن عبلة ابحث كابن شداد .. أغلق الباب بهدوء يا عماد.. لا تكن على الباب جلاد .. لا تفتح النافذة يا مراد ..الهواء جامد كالبراد ..هيه ..قرب يا حباب ..

 

كانت النساء اللواتي يتعطرن بالعطور الباريسية ويركبن معه تذكرناه بحبيته ذات العطر الباريسي والحذاء الايطالي، فكانت ترده إلى ماضيه وتعيده بقوة بحيث أنها تمحو حاضره بسلطان قوي .

حاول زياد كثيرا أن يعمل بجد لاصطياد الركاب رغبة بشراء حذاء جديد، انتهى دوام زياد وعاد للبيت  والليل يكتب سطوره الأخيرة واستلقى على فراشه وهو يفكر بطريقة ليؤدب بها ذاك الطالب البليد تقلب على فراشه ودارت الأفكار برأسه وارتأى أن يصفعه صفعة قوية عساها تكون الدواء.

توجه زياد في الصباح الباكر إلى المدرسة والمطر يقرع أسطح البيوت النحاسية مثيرةً نغمة مرعبة، استقبله الطالب المشاغب بسخرية من حذائه، وثار غضب زياد وتذكر خطته ولحظة تركته حبيبته  فلطم الطالب صفعة قوية أصدرت لحناً، اشتد صراخ الطالب :لقد فقدت سمعي ..آه ..لقد أفقدني سمعي هذا الطاغية، واجتمع كل من في المدرسة ينظرون لزياد بنظرة مزدرية .

ركض زياد مسرعا فارا إلى البيت وأغلق الباب على نفسه خائفا محتارا ومؤنبا لنفسه : كيف ليد تمسك القلم أن تصم الأذان ، يا لجريمتي الكبرى ما الذي سأفعله وكيف سأنظر في عيني ذاك الطالب؟!..لقد دمرت مستقبله وحياته.

تشاءم زياد من الحياة وأصبح كبومة قابعا على فراشه لا يتحرك وكلما كان ينظر إلى يده يحتقر نفسه إلى أن جاءته الفكرة الخرقاء، وفكر إن كانت يده قد أصمت الطالب فالقطع قصاصها، وضع يده على الشارع حتى مجيء سيارة مسرعة كي تمشي عليها وسارت السيارة على يديه وفرّت ونقلوا زياد إلى المستشفى وتم بتر  يده، ومن ثم انطلق إلى منزل الطالب .

دقَّ الباب ففتح له والد الطالب واجتمعت العائلة حوله يحاصرونه بنظراتهم المؤنبة ، فصرخ زياد قائلا :

أنا أعرف خطئي ولقد قطعت يدي جزاء لفعلتي الشنعاء..

 قهقه الجميع وعلا صوت ضحكاتهم وصرخ الأب مستهترا : لقد قطعت يدك، يا لك من مغفل لقد كانت مزحة صغيرة من ابني، كان يدعي بأنه فقد سمعه، ابني ظريف وخفيف الظل ألا تحتمل المزاح أيها الأستاذ الساذج..

 حلب 2007

 


16/1/2010 , 12:13 AM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

سباق الحياة

 

سباق الحياة

                   

كان يمشي تحت المطر غير آبه بالبلل فهناك أشياء تتحرك في جوانحه تجعله غير مكترث بأي شيء ,وحذاءه المثقوب امتلأ بالماء بيد أنه لا يشعر بقدميه فهناك أمر يدفعه للمضي إلى الأمام وموضوع احتل مخيلته , نعم إنه يفكر بأمرين أولهما بأنه أمسى كفراشة تطوف من زهرة إلى أخرى بحثا عن رحيق الحب إلا أن الزهرات جميعهن  وخزته, فكانت تبدو له زهرة ولكن عندما يقترب منها تتحول إلى صبار ,أما الأمر الآخر والأهم فكيف سيتدبر قسطه الجامعي؟.. فقد أتم المرحلة الثانوية وسيسجل في الجامعة ولكن هيهات وضعه المادي لا يسمح له بذلك..

فكر ماجد والمطر نازل على جبينه يغسل كل مرة وجهه من هموم الحياة والدنيا بالحلول الممكنة فوصل إلى حل واحد بأن المسألة مستحيلة الحل, وبدأ يفكر بحظه العاثر في اليانصيب في كل اسبوع يسحب بطاقة راسما في ذاك الاسبوع أحلاما جميلة إلا أن بطاقته تخذله كل مرة وفي أحسن الأحوال تربح سعرها, فلربما كانت مداومته على اليانصيب محاولة ليرسم بها أملا للحياة ويحقق بها أحلامه الصعبة المراس, تابع ماجد سيره في شوارع المدينة الواسعة إلى أن استوقفه إعلان عن مسابقة  ( تعلن المحافظة عن مسابقة لأفضل عداء في الخامس من الشهر الجاري والجائزة عبارة عن مئة ألف ليرة فمن يود الاشتراك المجيء في صبيحة الخامس من الشهر باللباس الرياضي الكامل)..

بعيد قراءته الإعلان دمدم ماجد مع نفسه: اليوم هو الثاني من الشهر لدي ثلاثة أيام لشراء اللباس الرياضي فمن أين أتدبر سعره ؟ ..و بينما كان ماجد يفكر بدا له شاب يترنح في مشيته ويغني أغنية كلماتها:

أنا عمران السكير..أشرب الكحول لأنسى همومي وأمسي كالبعير..فأصبح بلا تفكير ..

الكحول صديقي يجعلني حقيقيا بلا تمثيل..

فوقف الشاب عند ماجد مستفسرا عن الإعلان فشرح له ماجد القصة وإذ به يقهقه بصوت عالي مستهزئا فأحبّ ماجد أن يتعرف عليه وسأله عن اسمه, فأجابه الرجل الغريب باستهزاء :أنا عمران السكران هكذا ينادونني في الحارة, ثم باغته عمران بسؤال : أتريد الاشتراك بالمسابقة؟.. فهزّ ماجد رأسه موافقا ,وأكمل عمران بأنه يريد الاشتراك أيضا وعند مغادرتهما اصطدما برجل ذو قامة طويلة تماما كأنفه الطويل وذو لباس غال الثمن ومجموعة من المفاتيح تغني على خاصرته .

اعتذر منه ماجد بينما عمران غارق في الضحك, فسألهم الرجل الطويل عن الإعلان فشرحوا له الأمر وسألوه عن اسمه فعرف هذا الشخص عن نفسه بطريقة غريبة قائلا :

أنا اسكندر   ..بمشيتي أتبختر ..من عائلة عريقة أنحدر..الحياة عندي تحد وسمر ..لا شيء يجعلني أتبعثر.

استغرب الاثنان من جوابه المتعجرف وتابعوا سيرهم ويكاد ظل اسكندر أن يخنق ظلي ماجد وعمران ,افترق الثلاثة كل منهم في طريق معاكس للآخر وماجد غارق في التفكير بكيفية تدبر النقود لشراء اللباس الرياضي ,فوصل للمنزل وعيناه العسليتان الذابلتان من التفكير تتفحصان غرفته بحثا عن شيء يبيعه  فلم يجد إلا كتبه فأنزلهما من المكتبة ووضعها في كيس ونزل بها إلى الشارع فاتحا بسطة  للكتب كاتبا عليها كل ثلاثة كتب بمئة ليرة ,بدأ ينادي بصوت منخفض خجول :هيا اقتربوا أجمل الكتب بسعر البصل  ,ولكنه عندما كان ينظر إلى كتبه التي هي بمثابة روحه يتضخم صوته ويصبح عاليا فيمسي كالديك: تعال إلى هنا ثلاثة كتب بمئة ليرة  فاقترب منه شاب في العقد الثاني من عمره وسأله عن سعر كتاب (رسائل جون كيتس ) فأجابه ماجد بأنه مكتوب أمامك ,فقال له الشاب : اعمل لي خصما,استاء ماجد من جوابه المستفز وقال: تشتري علبة تبغ بسعر أغلى من الكتاب وتسترخص أن تشتري كتابا  أنيسا لك والله اخجل أن أساوم في كتاب ولكن لولا الظروف لما دخلت هذا الموقف السخيف , فبئس زمن أمسى فيه الكتاب أرخص من علبة السجائر.

 فرّ الشاب من محاضرة ماجد وبدأ ماجد يخاطب رسائل جون كيتس : لو تعلم  يا جون ..أن رسائلك ستباع بهذا السعر لما كنت فكرت يوما في الكتابة ولو تعلم أن الكتاب أمسى أرخص من السجائر لكنت استيقظت من قبرك .

جاء رجل هرم ليقتني رواية (مرتفعات وزرنغ) لإميلي برونتي  من ماجد , ولكن لهذه الرواية  قيمة عزيزة في نفس ماجد فناوله ماجد  للرجل ببرودة قلب متذكرا كيفية شرائه وأنه مشى سبعة كيلومترات ليقتني الكتاب ثم يعود حافيا إلى المنزل بعد تمزق حذاءه ..

لم يبق إلا خمسة كتب على بسطته واقترب سعر اللباس الرياضي من الاكتمال وبينما ماجد يحصي النقود وإذ بمراهق يركض مسرعا سارقا كتابا من كتبه تجمّد ماجد في مكانه ولم يكن يدري لمَ لم يلحق به ويسترد الكتاب فقط  نظر إلى حركة السارق ,فكان شيء في داخله يدفعه إلى البقاء والسكوت .

وأخيرا أصبح سعر اللباس الرياضي جاهزا وتوجه لشرائه  ..واقتناه.. وتوجه  في اليوم الخامس من الشهر إلى السباق وكان من بين المتسابقين عمران واسكندر وكل ينظر إلى الآخر بتحد وأطلقت إشارة البداية وبدأ ركضهم, فبدا ماجد يركض بكل سرعته وخطوات أقدامه تتزامن مع دقات قلبه والتي بدورها تسير جنبا إلى جنب مع مخيلته وأحلامه فبدأ يفكر بتسجيله بالجامعة وشراء مجموعة كتب جديدة بدلا من التي باعها , بينما عمران يفكر بالجائزة وكيفية صرفها على الحانات والشرب وحفلات الرقص, أما اسكندر فكان يفكر بأنه إذا ربح الجائزة فكيف سيبدو مزهوا فخورا رافع الرأس وأن أنفه سيطول مليما آخر.

اقترب المتسابقون من خط النهاية ويا للهول فقد وصل اسكندر قبل الجميع ليربح الجائزة ويقف في المنصة رافعا رأسه باديا كطاووس متعجرف وبالمقابل غدا ماجد كمن فقد كل شيء وكمن خسر في المعركة بدون أن يبقى له حتى عصا يتلكأ عليها بعد إصابته .

في طريق عودته للمنزل استوقفه بائع اليانصيب ملحا عليه بأن يأخذ بطاقة فاشترط عليه ماجد بأن البطاقة التي في جيبه إن كانت قد ربحت سعرها فإنه سيأخذ بطاقة من عنده , أخرج ماجد البطاقة من جيبه ليرى إن كانت رابحة أم لا ويا للقدر كانت البطاقة رابحة نصف مليون ليرة وعيون ماجد لا تصدقه وأقدامه لا ترفعه، فبدأ قلبه  يعزف نشيدا لم يألفه وانفتحت أبواب السعادة في وجهه.. ركض مسرعا سعيدا..

   18-8-2006 حلب


13/1/2010 , 03:50 AM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

تهذيب قويق

 

أحبّ التمرد والخروج عن المألوف فهجر أهله بعدما كانوا أثرياء المدينة ثم أعلنوا إفلاسهم ,فتبدلتْ أخلاقه وتعلم كلّ الأساليب الملتوية وتحول إلى قذر يتحايل على الناس ,فعندما يمر في الشارع تفوح منه رائحة كريهة.

أمسى شخصا مستهترا لا يهمه شيء وإن بصق على أحد المارة فإن أثر البصقة يدوم لا يزول حتى أن أهل المدينة سموا بصقته ببصقة قويق,وقويق هذا طباعه كطباع البحر الهائج فتارة مد وتارة جزر لم يكن يرسو على ميناء ,قبيل خلوده للنوم يؤنب نفسه ولكن ما باليد حيلة فقد سرى السم في أحشائه, وأصبح كورقة شجرة متساقطة مبلولة من المطر ومحجوزة في دائرة من الماء .

كان أهل المدينة ينعتونه بالقذر فقد امتلأت بشرته بالبقع السوداء جراء وقوفه المطول تحت الظلال وعدم استحمامه, ويضربون المثل به  عندما يصفون شخصا بأنه أكثر قذارة من قويق.

كعادته كان يمشي في الشارع بين المارة والمارة يضعون المناديل على أنوفهم من رائحته النتنة فبدأ قويق بأغنيته:

أنا قويق..مهملٌ من عصر ٍ سحيق..نجمة  ٌ أطفأ الضباب فيها البريق..وحيد ٌ بلا شقيق..في أحشائي عقيق ..لكني أحتاج مكتشفا رفيق..بلا خارطة أنحوني من الفريق..بدون بوصلة أضعت الطريق..زهرتي زال منها الرحيق..وأمسيت ماءً بلا إبريق..

 

لم يصدق المارة حتى ينتهي من أغنيته بعد أن ملوا من وضع القطن في أذانهم إلا شخص واحد حكيم عاقل ومدّرس في التهذيب معروف بين أهالي المدينة ,كان يعلم جيدا بأن قويق من أصول عريقة ويحمل مكنونات طيبة في داخله إلا أنه بدون مرشد ضلّ في طريقه .

اقترب الحكيم من قويق ينصحه بالابتعاد عن أفعاله المخزية وقويق يأبى النصيحة ..مرتْ الأيام والحكيم يزوره كل يوم دون ملل أو كلل , بشخصيته الجبارة وطريقه الذي لا يعرف للملل أنيسا اكتشف بذورا صالحة في قويق تحتاج إلى بعض الماء والعناية ,وارتأى بأن السنابل كانت جاهزة للحصاد إلا أن الفلاحين كانوا مشغولين..

وفعلا اقتنع قويق بنصائح الحكيم وكان على وشك دخول دفاتر غينيس للأرقام القياسية بعناده..

ضمه الحكيم إلى مدرسته التي خرّجت العباقرة, واصطحبه إلى بيت طالب كان في نفس المدرسة اسمه فرات وفرات من خيرة الناس ومن أشهر الكتاّب فنتاج كتاباته تقرأ من هضبة أرمينيا شمالا إلى شط العرب جنوبا, ومدّ فرات يده لقويق وساعده على تخطي أزمته وعلمه الطريق السليم كما لقنه القراءة والكتابة .

تحول قويق إلى شخص آخر مثقف ومهذب لا يخرج عن نطاق الحديث إن سأله سائل , ولا يهيج إن رماه أحدهم بحجر بل على العكس يبدي ابتسامة عميقة تدل على نضجه .

وترك عادة البصق وأمسى شخصا حين يقبّل أحد المّارة يُشعره بالحيوية والنشاط وتزهر الورود في قلبه,وأصبح الناس يجلسون بالقرب منه يستمتعون بعبيره وجمال مظهره المتأنق البهي وصارت بشرته بيضاء صافية ناعمة لا تحمل أي ندبات تعكر صفوها  ..

*هذه القصة مهداة  إلى الحكماء الذين حولوا نهر قويق من نهر قذر يسبب الأمراض بمجرد أن يقبل شخصا إلى نهر صاف يروي بساتين الورود ..

 حلب 15-1-2007

 

 


10/1/2010 , 03:14 AM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

الذليل واللقب

 

آه,إنه الثلج سأغادر الآن إلى البيت وسأتابع غدا عملي ,بعد هطول الثلج تلّون أسطح الأكواخ النحاسية وبيوت الاسمنت والقرميد باللون الأبيض ,فاتجه باسم إلى منزله المؤلف من الحجارة الصلبة كي يقي نفسه من البرد ويحفظ صندوق البويّة من الماء ..

باسم شاب بدأ نصف رأسه يخلو من الشعر, عاش يتيما معدما بعيد وفاة والديه ولا يملك أي شيء سوى بيت من حجارة وسقف نحاسي ,ألحقه خاله إلى  ملجأ للأيتام ليتملص من مسؤوليته..

بقي باسم في الملجأ كسولا لم يحصل على تعليم ولم يتقن أي مهنة بسبب هربه الدائم من الملجأ فأحب الأرصفة وتلكأ برأسه على وساداتٍ من جذوع الشجر, فتعلم على الخنوع وطأطأة الرأس وعشق العيش في الأرصفة المنخفضة والأغوار حتى أنه لم يتجرأ يوما للنزول من الرصيف إلى الشارع ..

بعد بلوغه سن الرشد اشترى له خاله صندوق بويّة ليقتات من مهنتهِ، وسكن في البيت الذي ورثه عن أبيه ,انطلق باسم إلى عمله وكعادته بمشيته المترنحة وظهره المقوس واضعا علبة البويّة أمامه,وبدأ بأغنيته ليجذب الناس :

أنا ماسح الأحذية..أحمل في صندوقي قصصا مروية..قالبها موضوع في أحذية

ذلي له طابع العلنية..وأشجاني آلام مرئية..فأنا طبيب الأحذية..أعالجها بعمليات تجميلية..بوية لميعة..مراية البوية ..هيا ..اقترب..هيا

 

أشعل باسم سيجارته بشفاهه الملتهبة ولم يكن يتجرأ أن ينفث سيجارته إلى فوق بل كان يطرح دخانها أرضا دائما ,بدأ يمسح الأحذية وينظفها بفرشاته التي تحمل الأسرار بين شعيراتها وألوان البويّة تحمل أحزان الشخص وصفاته.

وجلّ ما كان يسعد باسم بأن فرشاته تعشق الغرباء وحذاء باسم لم يعرف يوما لمسة الفرشاة ,كما كان يسعده أكثر بأن يضع جسده جسرا للناس فيسمع موسيقى الأحذية على ظهره.

في ليلة من ليالي الشتاء الباردة والقمر جريء في السماء يتدلى ,اقترب شخص من باسم فمدّ باسم جسده مَعبرا ليمر من فوق ظهره فانتظر باسم ولم يشعر بالسعادة لأنه لم يسمع صوت الحذاء المحبب على ظهره ,بقي طويلا ولم يسمع الصوت ,فجثم على ركبتيه راجيا الشخص بالمشي على ظهره إلا أن الشخص صاحب الظل الطويل والملابس الأنيقة المرتبة أبى ,حاول باسم كثيرا إقناعه ولكن بدون جدوى ,فهذا الشخص لا يتكلم فقط ينظر في غور عينيه ولا يتفوه بكلمة تثلج صدر باسم ..

غادر الشخص صاحب الظل الطويل كسحابة صيف حبلى إلا أنه ترك أثرا على باسم فظل يفكر طوال اليوم ولم يذهب إلى البيت, وأخيرا جاءت صحوته المتأخرة كصحوة المنتحر بعد رمي نفسه من الأعلى وهومعلق في الجو ,فقرر أن يحصل على لقب مهما كان, فكر أن يدخل دفاتر غينيس للأرقام القياسية في التهامه لصندويشات الفلافل إلا أن لا دليل إلا جسده النحيل.

انضم إلى مدرسة محو الأمية ليتعلم منها ويصبح لقبه طالب علم ,فبدأ يتعلم إلا أنه تعارك مع أحد الطلبة وفي فورة غضبه طعنه بسكينه التي يحملها ولحسن حظه أن الجرح كان عرضيا فقامت المدرسة بطرده..

بعد تلك المشاجرة أراد باسم أن يحصل على لقب المجرم ,فتوقف في زاوية الطريق يضايق المارة وأخيرا بعد عدة محاولات باءت بالفشل هجم عليه أحد المارة فأخرج سكينا وطعنه في صدره ليسقط ذلك الشخص أرضا ولتسيل الدماء من صدره ويخرج كنافورة من فمه ,فرح باسم بأنه أخيرا سيحصل على لقب إلا أن فرح الناس وغبطتهم أفسدت فرحته فشرع الناس يحملونه ويقبلوه لأنه خلصهم من مجرم خطير لا يسلم أحد من أهل الحي من شره, ولم يطلب أهالي الحي الشرطة لأن باسم قتل مجرما خطيرا تبحث عنه الشرطة منذ زمن .

قرر باسم للمرة الأولى النزول إلى الشارع ,فلربما الرصيف فرّقه فليجمع أشلاءه الشارع ,وبدأ يفكر بلقب يحمله وخطر له لقب المهووس .

انتظر في الشارع ليخطف فتاة, مرتْ فتاة جميلة من عنده فأسرع وقبض على معصمها وسحبها من شعرها ليغتصبها أمام المارة إلا أنه استغرب من أن الفتاة لم تبدِ أية حركة هجومية بل على العكس استسلمت له وأشارت بيدها ليأخذها إلى البيت وغمزت بعينيها إن كان يريدها فليس أمام الناس ,ترك باسم يديها وبدأت هي التي تسحبه من يديه ففرّ باسم منها مسرعا وهو يركض لا يعلم إلى أين هو هارب فقط يركض بدون مقر محدد , وبدأ وسام الحزن يرتسم على وجهه لأنه لم يحصل على لقب .

توجه باسم إلى شاطئ البحر قرب مدينته ليتمتع بمنظر طيور  النورس وهي تحلق, وأخيرا جاءته فكرة حصول على لقب لا يستطيع المرء الحصول عليه عن طريق الكتب ولا توجد إلا طريقة واحدة للحصول عليه ,وهذا اللقب يستمر حتى بعد زوال الشخص ويستمر طوال العصور ولا مجال فيه للفشل أبدا ,فصعد إلى سطح بناء عال وقفز منه فبدا كطائر نورس يجوب السماء وأخيرا حقق حلمه وحصل على لقب مهما ذكره الناس فسيربطونه به ولن ينفصل عنه أبدا..

   دمشق شتاء 2004


26/12/2009 , 01:32 AM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

صانع الأحلام

 

بدأت أزهار النرجس البرية الأرجوانية بالنمو وتفتحت أزهار الزعفران لتبدو الطبيعة بأجمل حلة ,ونام القمر واستيقظت الشمس ومازال جابر يفكر بطريقة خيالية يطقطق أصابعه تارة ورقبته أحيانا, وأدمن على شرب المتة بعد أن ترك زوجته و أولاده الذين كانوا يشبهون أصدقاءه .

فرّ من زوجته ومن أولاده ومن أصدقائه الذين اعتبروه برميل مازوت في شتائهم ,عند الحاجة تجدهم منكبين عليه وعندما ينتهون منه يتركونه وحيدا يقاسي الشقاء.

اتخذ جابر من الغابة ملجأ له وبنى لنفسه كوخا صغيرا ,وكان يتزود بالتموين من قرية قريبة منه ,عشق جابر زقزقة العصافير في الصباح وعواء الكلاب في الليل وصحبة الغربان والبوم واتخذ الغروب حبيبة له .

في ليلة اشتدت فيها الرياح ,هبط نيزك من السماء فتمنى جابر أن يظهر له مارد كما ظهر لعلاء الدين في مصباحه السحري, وبينما كان يتأمل النافذة نظر إلى الخلف لتتوسع حدقتا عينيه غير مصدقتين لما رآه ,شاهد ماردا ضخما مرعبا ,حاول الهرب فقبض عليه المارد وقال له :

إلى أين تهرب يا سيدي أنت طلبتني ,فأنا خادمك قد طلبت أن تنفذ أمانيك وها أنا أنفذها لك ,ضع هذه النظارة السوداء في عينيك وقبل أن تنام ستحقق أمانيك في المنام فقط .

أجابه جابر : ويحك إلى أين تهرب ..انتظر ؟ ..اختفى المارد وبقيت النظارة, اندهش جابر والخوف يكاد يأكل عينيه ,وقرر البدء بتحقيق أمانيه ,تمنى جابر أن يعود طفلا صغيرا يلعب في الدار لا يفقه شيئا وجده يعمل في كرم الزيتون قبل أن يأكل التراب عينيه  وجدته تجلس أمام الباب تشاهد عرسا في القرية ,وأمه تطبخ له وجبته المفضلة والعائلة مجتمعة حول المذياع تستمع إلى مسلسل المساء .

استيقظ جابر سعيدا فقد تحققت أمنيته الأولى, فخرج إلى الغابة وبدأ يغني مع البلابل والعصافير أغنيته :

أنا سيّد الأماني ..أريدُ إعادة بعض الأغاني..يا ماضي اِحمل أشواقي

ويا أيها الحاضر لك سلامي..          لن أفكر في مستقبلي..عندها سأكون مشردا ..أبحث عن ضريحي..

 

لم يصدق جابر حلول المساء ليذهب للنوم وتمنى هذه المرة أن يعود طالبا مراهقا بجسم صغير وعقل كبير وأن يحادث بنات الحي ولا يختبئ منهنّ ,ويصارح حبيبته بحبه وإنه كان يعشقها منذ زمن وهي كانت تبادله المشاعر لكنه لم يستطع أن يصارحها بسبب خجله.

جاء اليوم الثالث وجابر يتمنى أن يأخذ النعاس منه فقد غدا يستطيع تحقيق كل أمانيه بمجرد النوم صحيح أنه لا يحققها على أرض الواقع لكنه في النهاية يحقق أحلاما لطالما راودته وكانت مبتغاه في الحياة.

بدأت عيونه تتراقص من النعاس وأصبح للكرى عليه سلطان ,فتمنى أن يعود طالبا جامعيا باستطاعته شراء تفاحة يأكلها ,فلم يعرف طعمها قط, وتمنى أن يذهب إلى المحاضرات بفرشته التي تطير بدون أن يتعكر نومه وأن يكون على متن فراشه وهو يحضر المحاضرة في صباح شتائي بارد وأصدقاؤه يرتجفون من البرد وهو قابع على فراشه متلذذا بالدفء والراحة وبعد نهاية المحاضرة يطير فراشه إلى المنزل دون أن ينتظر الباص أوقات طويلة والشمس تلسع رقبته.

عند استيقاظه بدأ يفكر  في أشياء يتمناها وأصبح شغله الشاغل النوم والحلم ,وتمنى في اليوم الرابع أن يرجع شابا مرحا في القرية وأن يعرف أسرار العذراوات المخبأة في المنجل وقصص عشقهن وأمراء أحلامهن وتمنى أن يعرف مكنونات نفسهن وماذا يخبئن أراد أن يكون كالحاصدة التي تعري الأرض من سنابل القمح فتكشف كل أسرارها.

وجاء صباح اليوم الخامس, وأصبحت أمنيات جابر تتحقق وأمسى محتارا بأمانيه بماذا سيحلم فتمنى في هذا اليوم أن يأكل ألذ طيبات الدنيا ولا يشبع ودون أن يسمن وأن يزيد طوله 10 سنتيمترات أخرى ولكنه عندما زاد طوله ارتطم رأسه بالباب فاستيقظ من النوم.

كان جابر يستمتع  بأحلامه ولكن ما كان يؤرقه بأنه يجد صعوبة في النوم يتقلب كثيرا قبل أن يجد أمنية مناسبة ,اشتدت الأمطار في اليوم السادس وأصوات الرياح المرعبة تداعب النوافذ والصاعقة تضرب الأجواء فكان فيلم رعب من إخراج الطبيعة أبطالها المطر والرعد والصاعقة والبرق, فتمنى أن يعود وضعه في المنام قبل أن يأتي المارد  وقبل هطول المطر.

أقبل اليوم السابع مشمسا لطيفا على عكس الليلة, وارتسم قوس قزح في السماء ووردت أمنية في باله فطلب من نظارته قبل النوم أن يتوقف الوقت عند نومه,وعند طلبه تكسرت نظارته وتلاشت إلى رماد تكاد لا تبدو له, حاول تجميعها فاختفت بين راحتيه.

 حلب 2007


26/12/2009 , 01:15 AM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط

أغنية المهرج

 

عندما تبدأ الطبيعة بارتداء لباسها الأخضر وتتفتح أزهار القرنفل تأتي فرقة السيرك إلى قرية الراهب المشهورة بحسن طبيعتها وسحر منظرها وعلو جبالها التي تناطح السحب, فتبدو القرية  كعجوز هرم ذي شاربين أبيضين غليظين .

وتشتهر أيضا بتربتها الخصبة؛ لذا يعمل معظم أهلها بالزراعة والرعي ومياها وفيرة بالتقاء نهري الأيمن والأيسر في جنوب القرية أما سكانها بسطاء طيبون مقبلون على الحياة بوجه مبتسم ينتظرون مجيء فرقة السيرك في شهر أيار ويودعونها في شهر كانون الأول ,فهي فرقة متنقلة من مكان لآخر تقدم عروضها التي تحظى بجماهيرية شعبية  واسعة وخاصة مهرجها زياد الشاب المعتدل القامة القمحي البشرة ذو العيون الزيتونية البريئة والشعر البني الذي يداعب أكتافه ولعل أهم سمة فيه مشيته البطريقية.

زياد شاب مكافح من أجل لقمة العيش فقد توفي والده جراء مرض السل ولم يكن يملكون النقود الكافية لعلاجه وبحكم أن زياد هو أكبر أفراد الأسرة سنا ولا معيل لأمه وأخوته سواه, أضطر للعمل مساء في السيرك و عملا آخرا في الصباح حسب المنطقة التي تزوروها فرقته.

بوصولهم لقرية الراهب احتاجت القرية إلى حارس وحفار قبور بعد وفاة الحارس العجوز جبار ورحيل حفار القبور مازن إلى المدينة تصديقا لأكاذيب وروايات المدن, ففرح زياد بالخبر وقرر العمل كحارس وحفار للقبور بأجر جيد.

كان زياد يعمل في المقبرة من انتصاف الليل وحتى موعد عروضه في السيرك وتبدأ عروض تهريجه المحبوبة ويسمع دوي التصفيق في كل أرجاء القرية، ففقرة زياد الرائعة بدأت بحركات بهلوانية والمشي على الكرة مع أغنيته المفضلة :

أنا المهرج ..دائما أهرج

هدفي هو..إضحاك المتفرج

خطواتنا تعرج..حزننا داخلي لا يخرج

فرحنا طفل صغير ..آلامنا عجوز مازال ينضج

وبعد أن انتهاء فقرته يرجع إلى المقبرة متأملا سكون وصمت المقبرة مقارنا إياه بضجيج السيرك حيث الحياة والصالة تضج بالأصوات والفرح ينشط الجماهير بينما السكون في المقبرة يقتل الناس ,فزياد في السيرك يضحك الناس بينما في المقبرة يبكيهم ويسلبهم أفراحهم وبدأت تأملاته للمقبرة حتى صرعه النعاس مقيدا إياه بالنوم.

في صباح له نسيم بارد في جو حار استيقظ زياد على صوت نحيب وبكاء في القرية فقد توفيت إحدى حسناوات القرية المدعوة فاتن والتي لا تبلغ من العمر العشرين عاماً فقد تناولت السم بعد قرار أهلها بتزويجها لشخص غني من المدينة ,فكان واجب زياد أن يحفر لها قبرا ولكم كان مستاء من عمله هذا فكلما نظر لوجه فاتن الجميل، شعر بالسهام تفتك به فكيف يغطي هذا الجسم الناعم بالتراب وكم حسد ديدان الأرض على ملامستها لجسد فاتن وأخيرا اختفى جسمها  تحت التراب وبدأ زياد بالبكاء على الرغم من أنه لا يعرفها فاستغرب الجميع منه .

وبدأ زياد بالحديث مع نفسه بعد أن غادر الجميع:

يالسخرية القدر, الحياة هناك والموت هنا ولكم المسافة قصيرة بينهما فأنا أدفن الناس هنا وأحي الناس هناك وكم أدخل السعادة في قلوب الناس في السيرك وكم أبكي الناس هنا, ألا يكفيك أيها الموت جميلاتك فلقد خطفت الكثيرات فلمَ تأخذ جميلاتنا عنوة وغصبا.

بسط الليل ثوبه وجاء وقت العرض وكالعادة جاءت فقرة زياد الذي وضع قناع الفرح ليخفي حزنه وليفرح به قلوبا متعبة من تناقضات الحياة ,فبدأ عرضه بالتصفيق الحار إلا إنه لمح وجها جديدا مشرقا جعله يسقط من على الكرة لتنفجر الصالة بالضحك.

حاول زياد لفت أنظار الفتاة التي كانت تصفق بكل حرارة وبعد انتهاء فقرته بدأ قلبه يعزف أوتارا غريبة عنه فأينما كان يذهب كان ظلها لا يفارقه برهة ,وأمست كشبح يلاحقه أينما ذهب فبدا له بأنه الحب الذي طالما كان يبحث عنه حتى أنه أمسى متشوقا لفقرته ولا يصدق متى يذهب إلى السيرك ليبدأ وصلته, فزياد بظروفه الصعبة وحياته المتقلبة وعمله في المقبرة أمسى كصحراء قاحلة بحاجة إلى ظل سحابة تقيه من الحرارة وتهدئ سكينته في جو حار.

استفسر زياد عن الفتاة واصفا إياها  لأحد سكان القرية بأنها ذات الشعر الأسود المسترسل الطويل والعيون السوداء والبشرة  البيضاء كالسحاب الهادئ وترتدي معطفا طويلا فضي اللون وتمسك بشمسية طويلة سوداء اللون, فأجابوه أنها نورا وهي ممثلة تعمل في المدينة مع زوجها المنتج الذي يكبرها بعشرين ربيعا وبما أن أصولها من القرية تأتي لتزور جدها وتقضي عدة أيام معه.

لم يطمئن زياد لعمل نورا فالنجوم لا تعرف الوفاء لأحد تبهر  كل ناظر إليها وتجعله يعلق عليها أمنيات طويلة تماما كالزهرة التي تمتع كل من يشمها بعبيرها دون أن تعرف الوفاء لأحد.

غدا زياد مرتبكا حائرا فلقد عشقها وانتهى الأمر ولكنه ليس شخصا ينام على سرير من الأشواك وعاد للمقبرة يتأمل القمر والنجوم وبدأ حواره مع نفسه:

آه لو استطيع أن أبوح لها بحبي ولكنها متزوجة يا زياد وهي ممثلة مشهورة بالإضافة إلى أنني لا استطيع أن ألتمس القمر فكيف أن امتلكه فهي أين وأنا أين؟! ..هي تنام على سرير من حرير وأنا لم أنم قط على سرير, فعليك بنسيانها يا زياد ولتنتهي قصة حبك نهاية واقعية.

خلّد زياد للنوم ,و سكون المقبرة وأنين الرياح وحفيف أوراق الشجر يداعب المكان, فسمع صوت خطوات أقدام تقترب منه فاستيقظ من النوم والظلام الحالك يخيم على المكان فبدا له طيف لا تبدو علائم وجهه فاقترب زياد والخوف يكاد يقتله وأرجله ترتجف كما لو أنه أخذ صدمة كهربائية, فسأل بصوت مرعوب :

-من ..من هناك ؟ هل أنتم من الجن أم من الإنس من؟..

فأجابه صوت ناعم جعل قلبه يرتجف ويتوقف عن الكلام: أنا نورا جئت لازور قبر أمي.

-ألا تخشين يا سيدتي في هذا الليل من زيارة المقبرة..

-أيخشى أحد من الموتى فهم لايؤذون ولا يقتلون أحدا بالإضافة إلى أنهم هادئون جدا أنت تعرف ذلك .

فبادر زياد لفتح البوابة مرحبا بها ودخلت وزارت قبر أمها وبدت كما لو أنها تتحدث مع أمها ووضعت إكليلا من الزهور على القبر ..في أثناء ذلك جهز زياد الشاي الساخن وطلب منها الجلوس لكي ترتاح قليلا ,فجلست بدون تذمر، سألها زياد : -اعذريني يا سيدتي على هذا السؤال ولا تفهمي بأنني منزعج من مجيئك بالعكس أنا في قمة سعادتي  لماذا لا تزورين أمك في الصباح فالصباح آمن..

- أنا يا زياد أزور قبر أمي ليلا لأنني أتحدث معها وأتواصل روحيا وإياها وأبوح بكل أسراري لها أما إن تحدثت معها صباحا, فسيعلم بأسراري كل أهل القرية وأصبح نغمة على ألسنهم..

-ألا تخشين مني يا سيدتي وأنتِ بالكاد تعرفيني .

- أأخشى منك وأنت تدخل البسمة على وجوه الناس ..أأخشى من من يفرح الجمهور !!

بدؤوا بالحديث وابتسامة زياد تصل إلى أذنيه إلى أن سألها سؤالا :

لماذا تزوجت رجلا يكبرك بكثير يا سيدتي، فصمتت نورا والوجوم يملأ وجهها, فأعتذر زياد مدعيا أنه غبي لا يعلم بأصول الحديث جيدا, فقالت نورا : لا يا زياد,لا تعتذر أنا وثقت بك و سأقول لك لما تزوجت هذا المنتج أولا أنا كنت من عائلة بسيطة أحب التمثيل وحبه يجري في شراييني ولكن كيف سأصل إلى هذه المهنة الصعبة بدون سند يدفعني إلى الأمام لذا تزوجت من المنتج ذي الأموال الوفيرة ,وثانيا بعد أن رفض جارنا الذي كنت أعشقه أن يتزوج مني وتزوج ابنة عمه  فكانت ربما  ردة فعل بالإضافة إلى أن هذه الزيجة أطلقت نجوميتي.

 فسألها زياد عن موعد سفرها وأجابته بأن سفرها بعد غد.. ثم غادرت وأوصلها زياد إلى القرب من مسكنها وعاد إلى المقبرة التي تحولت أمام ناظريه جنة زاهية لم تعد مظلمة وأمست صالة للأعراس بدأ يرقص ويغني لأنه أستطاع أن يحقق على الأقل حلما من أحلامه بأن يتحدث معها ويجلس وإياها..

مرّ اليوم سريعا  وكأنه غمضة  عين وجاء موعد السفر وغادرت نورا مع زوجها وبإطلاق الشمس شعاعها الأول دق باب المقبرة ,فهرع زياد لفتح الباب وإذ بحشد كبير من أهل القرية قد اجتمعوا وهناك جثتين بحاجة إلى الدفن فسألهم زياد : خير من الذي مات ؟ فأجابه مختار القرية :لقد حصل حادث سير  للحافلة في الطريق إلى المدينة وقد توفيت نورا وزوجها.

وكأنه بهذا الكلام صفع زياد على وجهه وبدأ زياد يدفن الاثنين وهو يتقطر دما والدموع تنسكب من عينيه أكثر من أهل الفقيدين وعندما وصل إلى نورا ليواريها تحت التراب صرخ متكلما مع نفسه:

كيف أدفن قلبي وكيف أعيش بلا روح وكم الحياة قصيرة قبل يومين كنت جالسة معي والآن لن أستطيع رؤيتك مهما اشتقت إليك, فأين كنا أيها الزمان وأين صرنا الآن لقد أخذتني إلى مكان جميل والآن ضعت في نفس المكان على الرغم من أنني أعرف الدرب ,وقرر زياد دفنهما بعيدا عن بعضهما فاشتكى أهل الفقيد وأصروا على دفنهم بالقرب من بعضهما، فرفض زياد قائلا :لم ترتح معه في هذه الحياة فلترتح  روحها في العالم الآخر ,فقبضوا على زياد وأخرجوه من القرية.

انتقلت الفرقة إلى مكان آخر ورحل  زياد مع فرقته ليستمر بتقديم عروضه معزيا نفسه بأن الحياة تستمر مهما طالت الليالي فلابد من أنها ستنجلي ويأتي شعاع الصباح زارعا في الأفئدة أملا بالحياة.

 دمشق 2005


23/12/2009 , 01:57 AM قصص قصيرة
التعليقات ( 0 ) | إضافة تعليق | رابط


الصفحة الأخيرة | صفحة 2 من 4 | الصفحة التالية

سجل وامتلك موقع مجاناً