ناقد وروائيّ سوريّ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عمران عزالدين أحمد من الأسماء الشابة التي برزت في فن القصة القصيرة جداً. استطاع بموهبته أن يخطَّ لنفسه موقعاً متميزاً. يتناول قصصه بأسلوب مكثف خالٍ من الترهل السردي أو الفضفاض اللغوي اللذين يخلان بتكنيك ق.ق.ج. إضافة إلى حرفيته الفنية السردية التي تضفي أجواء الفن القصصي بعيداً عن الحدثية اليومية في نقل الخبر وكأنه تقرير صحفي. مما يدلّ على حرفية ووعي بالشروط الفنية الدقيقة لـ (ق.ق.ج.). هو مُحَافِظ على السلامة اللغوية، مع اقتراب بعض قصصه من اللغة الشعرية. استغلّ عمران عز الدين عالم الحيوان في إيصال بعض حكاياته وأفكاره. تناول في قصصه مواضيع انتقادية سياسية واجتماعية لواقع مرير تعيشه الأمة دون مباشرة خطابية مخلة بالفن.
عبد الستار نور علي
شاعر وناقد ومترجم
السويد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عمران عز الدين أحمد من الأسماء المجتهدة والهامة في فن القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، فهو المتجدد بقصصه والشجاع في طرح أفكاره والناقد اللاذع لواقع مرير، تتجلى في قصص عمران القصيرة جدا اللغة الرصينة والأسلوب الجذاب والذي يقترب من قصيدة النثر في بعض المطارح.
في مجموعته القصصية يموتون وتبقى أصواتهم لا مقدمة للمجموعة ، إلا أن قصته” مقتطفات من صحف المعارضة” تكاد تكون مقدمة لمجموعته القصصية، بما تحمله من دلالات تربط بين روح السرد وروح المقدمات الهجومية الدفاعية عن جنس أدبي لم ينل مكاناً يليق به بعد، يضخ عمران دماً جديداً في نسيج القصة القصيرة جدا بعد امتلاكه أدوات الفن القصصي وتمرّسه على أسراره في مجال الرؤية والتشكيل الفني، فالرؤية أمست أكثر تركيزا وعمقاً، في طريقته للسرد يستخدم تقنية السرد الموضوعي الذي تولى الراوي سرد القصص بضمير الغائب.
الكنز الكامن في قصصه يحتاج إلى غوّاص له صبر طويل في السبر والبحث والغوص ليكتشف المعنى المتربع في قلب عمران ، كما تتميز قصصه بأسلوبها الساخر والناقد لواقع غير معلن ولكنه متخيل في بعض الأحيان كقصة علي بابا والمليون حرامي فهو واقع خيالي ضمن عبارة مباشرة لمضمون غير واقعي، ففي مضمونه الظاهري لا يصل إلى ذروة الحقيقة إلا في دلالته التخيلية، تضرب الشكل الواقعي لتشير إلى ما هو خافٍ بين السطور .
تبدأ معظم قصصه بالفعل الماضي فيبدو كأنه يقص عليك حكاية قديمة ممتدة حتى الآن في محاولة للتمويه كما في قصصه”عندما تحلم الفقراء” “تباً للمتربصين”أعطوني كرسياً”، في حواراته ترى إقحام الحوار بكل سلاسة ضمن السرد في جملتين وربما تتعداها لتخرج من قالب السردية المطلقة كما في قصصه”الحب”"زمن” .
تبقى الخاتمة عند عمران مفتوحة في كثير من الأحيان على حقيقة ما حدث في طريقة ناجعة وشفافة لا تشكل صدمة مجانية.
عمران في قصصه القصيرة جدا يعلن عن المخاض والصرخات التي ترافق ولادة القصة القصيرة جدا ، لهذا المولود الذي سيكون له مستقبل زاهر بين جيل يبتعد عن القراءة فربما هذا المولود سيعيد الجماهير إلى القراءة وربما نرى هذه القصص تروى في الشتاء عند المدافئ ويرويها الناس في الصيف تحت ضوء القمر أو تصبح مضرب المثل، أو يرسلونها إلى بعضهم البعض من خلال البريد الإلكتروني، وعن ثورته أحيانا بلسان عبد الستار بطل الكثير من القصص أو بلسان طفل صغير ،
في مجموعة عمران القصصية نحن نقف أمام تحفة أدبية ملفتة لكل ناظر ومبتغٍ فيها التشكيل والخاطرة والشعر في قالب اسمه القصة القصيرة جداً.
نوزاد جعدان
شاعر وكاتب سوري
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هي لقطات سينمائية لكنَّها ورغم تكبيرها لا تزال لقطاتٍ صغيرة تلك اللقطات –القصص القصيرة جداً – التي يكتبها القاص السوري عمران عز الدين أحمد :(لإنهاء العمل بالسرعة القصوى,
قرَّر أحد الأثرياء أن يستأجر مئة حمار لنقل مواد بناء عمارته الجديدة, لكنَّ مالك الحمير طلب منه أجراً باهظاً, وبعد تفكيرٍ عميق, عدَلَ الثري عن فكرته الخائبة, واستأجر خمسين عاملاً بنصف تلك الأجرة).
إنَّها لقطةٌ – تفصيلٌ يُفرجينا فيه عمران عز الدين أحمد لحظةً مستمرَّةً للعبودية-لقطة والقصة القصيرة جداً هي لقطة, هي خبرٌ في حكاية يُراد بها تكبير صراع تجري فيه الحياة جرياناً لا يُجزَّأ- جرياناً يحفر في النفس بعمق لا يمكن ردمه كما في القصة القصيرة: (اشتدَّ نباح الكلاب, حين شرعَ اللحَّام الموجود في الحارة يبيع العظام إلى الناس الفقراء). لقطة أخرى كبيرة قريبة, لقطة لفعل يقع علينا, لكنَّ عمران لا ينمذجه, كما إنَّه لا يمكن أن نؤِّله أو نقرأه غير قراءة واحدة, فنمسك سكينا, ونصير أمام لقطته هذه نقطِّع شراييننا شرياناً شرياناً؛ ونشوف الدم يقطر منها ونحن مبسوطين من كثرة الألم, ليس لأننا مازوشيين, ولكن لأننا حصلنا أخيراً على العظمة كقوتٍ أخير.
عز الدين أحمد في قصصه القصيرة جداً يرسمُ, ومن ثمَّ يحرِّك صوراً من حولنا, وأينما نظرنا سنفاجأ بأنه لايني يفجِّرها على شاشات ذاتنا / روحنا؛ فنرى الذي يبيعنا ويشترينا ليس ليثري- ولكن لينكِّلَ فينا ونحنُ ما نحن . إنه قاص كما (زكريا تامر) يأخذ حدثاً واقعياً ثم يحوِّل مسار توتره, فيعطيه منحاً جديداً ربَّما يكون فيما يكونه سوريالياً, فيتصارع الواقعي مع اللا واقعي وفي زمن واحد, صورة حركة تجري أحداثها على مرأى من عقلنا فنصدِّق ما يجري ولا نصدِّق وكأن عمران أحمد يتهكَّم منا: (كان والدي يعطي مصروفاً لأخي الصغير ويحرمني منه . وكنت أتحيَّن الفرص كي أسرق مصروفه, وكنا دائماً نتعارك.لما تكرَّرت هذه القصة كثيراً قطع والدي المصروف عن أخي, فاتفقنا على سرقة معطفه). إنَّها صورة لمشاعر القهر يرسمها عمران ؛ مشاعر تجد بطولتها في اللصوصية, فينقلنا من كلام عادي يسجل إيقاع الحياة في أعماقه إلى صورة لا نملك قرَّاءً إلاَّ نحسّها لقطةً سينمائية غنية بالتوتر وبالتكثيف الدلالي, الذي يبين عن خمائر نقدية بقوَّةٍ غير محدودة, تريد تنكِّل بالجوع والفقر والأغنياء وباللحظة التي ولدنا فيها: (بعد أن باءت جميع محاولاته بالفشل, وضع عبد الستار شهادته الجامعية في درج الخزانة وأحكم إغلاقه, ثمَّ التحق بدورة (بودي جارد) نظَّمتها إحدى الملاهي الليلية). كأنَّه طائر جارح ولكن يريدون تعليق حركته. هنا منتهى القسوة والتهكُّم, فنرى لقطة مرعبةً لعبد الستار الذي هو بمثابة الضمير الجمعي-الضمير المُهان, الضمير المستباح, المغصوبُ المغتصَب, المكسور المنكسر لقصص المجموعة وهو يقف أعزلَ بمواجهة الذكاء الشيطاني للعبيد وهم يتحكَّمون بالأحرار. فعبد الستار رغم الحكم بموت الشهادة/العِلْم, فإنه لايزال يفكِّر, إنه يضع عقله أو يشيِّعه إلى ثلاجة الدرج.
عمران عز الدين أحمد في«يموتون وتبقى أصواتهم» يكتب أفلاماً / لقطاتٍ سينمائية بكثير من الإدراك الحسي والإدراك القصصي, فنرى ونحن نقرأه صوراً من حركة, وقد نشر عليها- نشر فيها ضوءَ روحه لينتزعها من ظلمتها الفطرية؛ إنَّما بذكاءٍ وليس بخبث.
أنور محمد
كاتب وناقد سوري